حاوره/ الخير شوار
الطيب لسلوس، صوت شعري جزائري “تسعيني” متميز، انطلق من “الكلاسيكية” لينسفها عن وعي ويؤسس تجربة صدرت إرهاصاتها في مجموعة “هيروغليفيا” منذ سنوات ولم تنل حظها من الاهتمام،
وإذا أردت أن تقرأه عليك باقتفاء أثره في بعض مواقع الشبكة العنكبوتية، فهو قليل النشر بل منعدمه في الصحف المحلية السيارة، ولمعرفة مآل تجربته كان علينا محاورته بسؤاله أولا عن الجديد فكان هذا الذي كان:
ما جديد تجربنك الشعرية؟
اسمع أنا سعيد.. صدقني اكتشفت ذلك فجأة، يتعكر صفوي فقط ربما مثلا أتذكر أن السعداء قلة في بلدي. أعتقد أنه علينا أن نؤسس للسعادة. لست أدري هل العبقرية أو البداهة هي التي ألهمت رئيس بلدية تيرانا إيدي راما في أن يجعل الناس لمدة سنة يتحدثون عن الألوان، لقد قال يكفي أنني جعلت الناس يتحدوث عن أذواقهم في اللون بينما كان غيرهم منشغل بإدارة الحروب. أجد هذا شعرا.
لا أضن أن الأمر انقطع عن تجربتي الأولى التي أعتبرها ضرورية بالنسبة لي رغم أن هناك ما يقال فيها كتجربة ربما يكون علينا أحيانا أن نرمي أنفسنا من الأعالي وأثناء السقوط سنستنفر كل ما نملك من مواهب من أجل التلحيق الذي سيمنعنا من الهاوية فكما تعلم لنا كل الوقت ونحن نسقط أن نؤمن ان الطيران هو السبيل الوحيد للحياة ومن هنا يأتي الجديد في تجربتي وأضنني رأيت بعض الريش ينمو بين أصابعي. بدليل أن عينا النص البصري قادتاني إلى كشوفات مارقة عديدة خلصت في نهايتها إلى أن هناك عين ثالثة ترعى الكل فاطمأنيت.
رغم تميز نصوصك إلا أنك قليل النشر وإن نشرت ففي الصحافة الدولية لماذا؟
أنا جبان، أخاف من القارئ، هناك دوما قارئا أكثر عمقا منا له كل الوقت أن يشرب ما نقول على مهل مرة بعد مرة قطرة قطرة وسوف يحكم في الأخير. أنا حقا أخاف لكن حين أقرر أن أنشر فأنا كطفل الكتاتيب حين يختم حزبا أدور على الكل ليباركوا ما حفظت. أما فيما يتعلق بالنشر على الانترنيت والصحافة الدولية. أولا لأنني أحب أن أتلقى آراء من كل الوطن العربي فيما أكتب كما انني كاتب عربي بالعموم وجزائري بالخصوص. ثانيا لأننا في الجزائر لا نمتلك إعلام أدبي مميز إذا استثنينا ما يبذله البعض على صفحات الجرائد وهو غير كاف، ولست أدري ما المانع أن تعاد آمال وألوان أو أن تبتكر عناوين أخرى لأن هذا أقل ما يمكن أن يحدث مقارنة بما هو موجود في دول عربية أخرى صحيح نحن لسنا الأكثر خلقا للثروات الثقافية فلماذا نكون الأقل.
كنت كثير الاهتمام بالفنون البصرية حتى اصبحت هاجسك الأول تقريبا وقد أثمر ذلك مجموعة “هيروغليفيا” الشرعية، هل ما زال ذلك محور اهتمامك؟
كنت أبحث على نافذة السذاجة، فالعالم معقد والانسان يعيش مسائه بحماقات يسميها مجده الحداثي. لم استطع ان أفهم الكثير من الأشياء سيما ما مرت به الجزائر وما يمر به العالم العربي من عنف، كنت أريد أن أقف على ملكة العنف هذه. استعديت للجنون وهيروغليفيا لم تكن إلا الجلد الذي طرحته في الجنون أنا أشكر جميع من رافقوا خطاياي وأشكرهم لما فعلوا بي وبذلك الوحش الطيب الذي لم يكن طيبا البتة. أما الفنون البصرية فهي ضرورية ما دام حقل التجربة والكائنات المستهدفة أكثر بدائية إي حسية وفي الرسالة البصرية تصبح الرسالة هي الوسيلة لذا علينا أن نبذل كل فنونا ليكون لها المضمون البصري حتى ذلك الجانب السمعي منها.
الآن وأنت على بعد مسافة من هيروغليفيا، كيف تقرأها؟
هيروغليفيا علمتني الأسوأ، كتبت هيروغليفيا وأنا أشعر بكذبة طويلة أسمها نحن، تمتد من بداية الخلق إلى اليوم، سمح لي ذلك أن أكذب دون هوادة، سمح لي أن أرى أن الكتابة في المتن الشعري الثمانيني والسبعيني هي مجرد تكديس وأحيانا مزيف بتغذيه من قيء الأيديولوجيا، طبعا هذا لا ينقص من روعته شيء كونه تاريخي وحقيقي، ورأيت عبر الوطن العربي وليس في الجزائر فقط أن المتن التسعيني بإمكانه أن يمتد في أبعاد أخرى أكثر تلباسا بالإنسان ولتصير الكتابة هي حفر على خلاف ما كانت ترى. لم أر أبدا أن أدونيس هو عرابي رغم ما حاول من خلال نصوصه أن يستوعبني، عاندت في البداية فكانت لي نصوص لم ترضني رغم أنها أرضت الكثير لأنني رأيت الشعر منذ البداية يتدفق بين كلمات محمد الماغوط وأنسي الحاج وأبي شقرا هؤلاء الذين كانوا بهدوء يقودون البركان المتدفق من أعالي الجبل إلى البحر مشكلين جزر جديدة فيما أعتقد المتحمسون أنه بثورة البركان سيضطر الملوك لتقديم القربان له كي يسير إلى البحر ويهدأ ولم يهمهم البتة ما رسم البركان من أرض جديدة على الشاطئ. أعتقد أن جيلا كجيل أنسي الحاج كحساسية كان ينظر إلى الماء حيث ستقف أقدام أخرى ستأي بينما راح الجميع يشاهدون في فضول إلى حجم القربان ما يكون. وهذا ليس انتقاصا من أحد بل انصافا لما يبقى. وقد تخلصت من كتاباتي قبل هيروغليفا لأنني رأيت فيها صيحة المطالب بالقربان وفضول الإجابة عن سؤال. “ما الذي يعطيه الملوك مقابل كل هذا” لم أشعر أنها لعبتي. ربما تكون هيروغليفيا عمل غير مميز ولكنها بالنسبة لي تجربة طهرتني من إنسان كنته وأعطتني وجهي الذي هو قناعي أهدي سيول البركان إلي البحر ربما يتاح لي أن أصف بعض سكان تلك الجزر التي ستصبح أرضا يوما إننا دوما غدا نكون؟
الطيب لسلوس عرف ضمن حساسية ما بعد أكتوبر 1988 الذي سمي “جيل القطيعة”، هل حدثت القطيعة فعلا؟
القطيعة تحدث كل يوم ولست أنا أو غيري من يقرها إنها إرادة قوى التاريخ في كثافة اليومي والمتحول ولست أدري لما يشعر البعض بالقشعريرة حين نتكلم عن القطيعة مع أنهم هم أنفسهم بإمكانهم أن يحدثوها، والقطيعة لا تعني عدم التواصل مع أشخاص بعينهم أو فترة بعينها، إنما تعني أن هناك مجموعة من المعارف حول تجربة معينة أو فهم معين أصبحت محاطة بملابسات أو غير منطقية أو متجاوزة فمنذ متى صارت الفكرة تعني إنسان بعينه. كما أن القطيعة ليست فعل عشوائي بل هي فعل فلسفي ومعرفي يتيح للوعي نقد نتائج التجربة. ألم تكن جزائر ما بعد وقبل الاستقلال تجربة أليست نضالا يوميا إذن، فلماذا لا يقبل نقد هذا النضال فهو لم يعد ملك أحد بعد، كما أنه غير متعالي أو فوق تاريخي. حتى ولو تنصل منه البعض كونه ما كان، وأنه هم. كما أن القطيعة لا تعني أبدا رمي ما قبلها في سلة المهملات. ومازلنا سنعاني من الآخر أكثر مما يحدث الآن في العالم العربي من نهب للثروات وانتهاك لقيم الانسان ذلك أننا مازلنا لم ننتقل من مفهوم المقاومة الذي أملته شروط قديمة للإستعمار إلى مفهوم المشاركة الذي تعنيه الشروط الجديدة للرسوخ في وجه التحولات والاقتصادات الجديدة. والمفاهيم الجديدة ترى أن الانسان في تحوله من النوم على وسادة المجد الماضى الدافئة دائما إلى الانتباه إلى ما حوله من حياة تحتاج إلى ترميم يومي وإضافة تبدع هذه الحياة. علينا أن نعلّم أطفالنا كيف يبدعون حياة جميلة تسع الجميع.
وأنت تشتغل في الاعلام والتنشيط الثقافي، كيف تقرأ المشهد الثقافي الحالي في الجزائر؟
أبدأ بأسف عظيم حينما يتحول الحوار الثقافي إلى منابزات إعلامية تذكر بعجائز “دار السبيطار” (في رواية “الدار الكبيرة” لمحمد ديب). غير ذلك أنا سعيد كما قلت سعيد بالأصوات الجديدة المؤسسة للمتن الروائي والشعري سعيد بعمارة لخوص والخير شوار ومفتي بشير وعبد الرزاق بوكبة وعلي مغازي وكمال بركاني وعبد الحميد عمران وأسماء كثيرة أعتذر عن ضيق المساحة لذكرهم. ومنزعج ممن يحاول إرفاق كلمة أدب استعجالي على كتابتهم. الكتابة الجديدة هي الإنسان الذي مزقته تناقضات بعض القيم التي لم يتسن للإنسان الجزائري هضمها براحة وتأني. وإذا كان علينا أن نسمع هذا الإنسان الذي لم نسمع له من قبل إلا من حيث هو أداة تغيير واقع والنظر الآن إلى تغيير نظرته هو إلى ذاته وإلى الآخرين فلنفعل ذلك في كتابات هؤلاء.. إن التعنيفات التي حدثت على مستوى بنيات الفرد ليست بالأمر الهين قذفها في أبعاد إيجابية طبعا أنا من جيل لم يجد هدايا جميلة لذلك فهو المخول أن يتكلم عن الجمال كتصعيد للحالة الحرمان على الأقل لهذه العشرية. وليس من حق أحد أن يطالبه بنسيان تلك اللحظات السوداء التي مرت، لأنها هي مصدر إلهام كل ما يستدعى عدم وجودها مرة أخرى هذا إذا كان فعلا المطلوب إنسان لا يريد العنف كمظهر عام أو خاص في حياته أو حياة غيره. نحن نعرف أن ما من مرحلة نريدها أن تدخل كبنية إيجابية في وعي الفرد إلا ويجب استنفاذ جوانب هوامها فكيف نؤسس للجمال دون توضيح تناقضاته السلام عنف العدالة الظلم الحق الواجب كيف يمكن تأسيس هذه الثنائيات. على الممحاة أن تزيل روح أستاذ الإملاء من أنفسنا أولا. وأخيرا المشهد الثقافي الجزائري في عودة جميلة وحضور عميق مكنه في الخروج من عزلته التي رسمت خلال العشرية السابقة وهذا انجاز كبير ربما يتعزز بالعودة إلى الواجهة العربية بوثوق أكبر من خلال بعض الأسماء التي تلمع هناك في الوطن العربي أو في حوض المتوسط وهنا على الساحة أو من خلال الشراكات لبعض الجمعيات الثقافية مع ناشرين ومؤسسات ثقافية. ينقصنا من الان إذا كنا فعلا نؤمن بالكاتب كفاعل قلت ينقصنا صناعة وتسويق الأسماء الأدبية نحن لا نعمل على ذلك أبدا بينما أصبح هذا ضمن السياسات الثقافية الراسخة في ذهن الوعي السياسي في العالم لأن ظاهر الانتشار أي كان أصبحت علما قائما بذاته تشرف عليه مخابر وتتنبأ بأثره وحدوده وتتبناه مؤسسات والكاتب هو أيضا فاعل يحتاج إلى الانتشار لأنه قناع من أقنعة المسرح العام الذي عليه أن يشد الأنظار إليه.
ماذا ننتظر منك في المستقبل القريب، هل من تجربة أدبية جديدة؟
“جدار حتى الضحك” هو عنوان مجموعة أنوي نشرها، إنها عتبة أخرى أكثر نضجا من “هيروغليفيا” ربما ما يجمعهما كوحدة هو الضمير الذي لم يتحول أي التأنيث بدءا بتلك الاختزالية للوجود في ضميرين للوعى التأنيث والتذكير اللذين يشطران الوعي إلى شطرين لا أرى ثالث لهما. كما أن هناك بعض القصائد وهي نصوص مضادة “لفجر إسماعيل أو حمد الآلاء لمحمد ديب” رحمه الله والتي رأى فيها أن اسماعيل ملاك السمع بينما وجدت في إسماعيل الصياد الذي يرى قبل أن يسمع استنادا أيضا إلى اسماعين بالنون وليس باللام حيث أخذ محمد ديب إرث إسماعيل من التسمية التوراتية بينما وجدت إسماعين دارجا منذ القديم بالنون في العربية. طبعا هنا مجرد مقاربات لتلك التجربة العظيمة وكي أبقى وفيا لذلك الجانب البصري من اللغة وجدت متعة أخرى في سيرة إسماعين الصياد. تجربة الجدار حتى الضحك أيضا كتابة لنهايات المعنى الذي ينتهي دائما بالجدار الذي سنصاب بعده بالجنون من حدود القول الذي كنا نعتقد أن براريه لا تنتهي طبعا هنا سنصاب بشيء ما عند الوقوف على الجدار ربما بكى البعض ربما جنوا فعلا ربما انسحبوا إلى كوة الصمت ربما ماتوا خوفا ربما انتبها أن ما بعد الجدار هناك حيت حياة أخرى آخرة أما أنا فأترك للقارئ ما فعلت عند الوصول إلى الجدار
الطيب لسلوس، صوت شعري جزائري “تسعيني” متميز، انطلق من “الكلاسيكية” لينسفها عن وعي ويؤسس تجربة صدرت إرهاصاتها في مجموعة “هيروغليفيا” منذ سنوات ولم تنل حظها من الاهتمام،
وإذا أردت أن تقرأه عليك باقتفاء أثره في بعض مواقع الشبكة العنكبوتية، فهو قليل النشر بل منعدمه في الصحف المحلية السيارة، ولمعرفة مآل تجربته كان علينا محاورته بسؤاله أولا عن الجديد فكان هذا الذي كان:
ما جديد تجربنك الشعرية؟
اسمع أنا سعيد.. صدقني اكتشفت ذلك فجأة، يتعكر صفوي فقط ربما مثلا أتذكر أن السعداء قلة في بلدي. أعتقد أنه علينا أن نؤسس للسعادة. لست أدري هل العبقرية أو البداهة هي التي ألهمت رئيس بلدية تيرانا إيدي راما في أن يجعل الناس لمدة سنة يتحدثون عن الألوان، لقد قال يكفي أنني جعلت الناس يتحدوث عن أذواقهم في اللون بينما كان غيرهم منشغل بإدارة الحروب. أجد هذا شعرا.
لا أضن أن الأمر انقطع عن تجربتي الأولى التي أعتبرها ضرورية بالنسبة لي رغم أن هناك ما يقال فيها كتجربة ربما يكون علينا أحيانا أن نرمي أنفسنا من الأعالي وأثناء السقوط سنستنفر كل ما نملك من مواهب من أجل التلحيق الذي سيمنعنا من الهاوية فكما تعلم لنا كل الوقت ونحن نسقط أن نؤمن ان الطيران هو السبيل الوحيد للحياة ومن هنا يأتي الجديد في تجربتي وأضنني رأيت بعض الريش ينمو بين أصابعي. بدليل أن عينا النص البصري قادتاني إلى كشوفات مارقة عديدة خلصت في نهايتها إلى أن هناك عين ثالثة ترعى الكل فاطمأنيت.
رغم تميز نصوصك إلا أنك قليل النشر وإن نشرت ففي الصحافة الدولية لماذا؟
أنا جبان، أخاف من القارئ، هناك دوما قارئا أكثر عمقا منا له كل الوقت أن يشرب ما نقول على مهل مرة بعد مرة قطرة قطرة وسوف يحكم في الأخير. أنا حقا أخاف لكن حين أقرر أن أنشر فأنا كطفل الكتاتيب حين يختم حزبا أدور على الكل ليباركوا ما حفظت. أما فيما يتعلق بالنشر على الانترنيت والصحافة الدولية. أولا لأنني أحب أن أتلقى آراء من كل الوطن العربي فيما أكتب كما انني كاتب عربي بالعموم وجزائري بالخصوص. ثانيا لأننا في الجزائر لا نمتلك إعلام أدبي مميز إذا استثنينا ما يبذله البعض على صفحات الجرائد وهو غير كاف، ولست أدري ما المانع أن تعاد آمال وألوان أو أن تبتكر عناوين أخرى لأن هذا أقل ما يمكن أن يحدث مقارنة بما هو موجود في دول عربية أخرى صحيح نحن لسنا الأكثر خلقا للثروات الثقافية فلماذا نكون الأقل.
كنت كثير الاهتمام بالفنون البصرية حتى اصبحت هاجسك الأول تقريبا وقد أثمر ذلك مجموعة “هيروغليفيا” الشرعية، هل ما زال ذلك محور اهتمامك؟
كنت أبحث على نافذة السذاجة، فالعالم معقد والانسان يعيش مسائه بحماقات يسميها مجده الحداثي. لم استطع ان أفهم الكثير من الأشياء سيما ما مرت به الجزائر وما يمر به العالم العربي من عنف، كنت أريد أن أقف على ملكة العنف هذه. استعديت للجنون وهيروغليفيا لم تكن إلا الجلد الذي طرحته في الجنون أنا أشكر جميع من رافقوا خطاياي وأشكرهم لما فعلوا بي وبذلك الوحش الطيب الذي لم يكن طيبا البتة. أما الفنون البصرية فهي ضرورية ما دام حقل التجربة والكائنات المستهدفة أكثر بدائية إي حسية وفي الرسالة البصرية تصبح الرسالة هي الوسيلة لذا علينا أن نبذل كل فنونا ليكون لها المضمون البصري حتى ذلك الجانب السمعي منها.
الآن وأنت على بعد مسافة من هيروغليفيا، كيف تقرأها؟
هيروغليفيا علمتني الأسوأ، كتبت هيروغليفيا وأنا أشعر بكذبة طويلة أسمها نحن، تمتد من بداية الخلق إلى اليوم، سمح لي ذلك أن أكذب دون هوادة، سمح لي أن أرى أن الكتابة في المتن الشعري الثمانيني والسبعيني هي مجرد تكديس وأحيانا مزيف بتغذيه من قيء الأيديولوجيا، طبعا هذا لا ينقص من روعته شيء كونه تاريخي وحقيقي، ورأيت عبر الوطن العربي وليس في الجزائر فقط أن المتن التسعيني بإمكانه أن يمتد في أبعاد أخرى أكثر تلباسا بالإنسان ولتصير الكتابة هي حفر على خلاف ما كانت ترى. لم أر أبدا أن أدونيس هو عرابي رغم ما حاول من خلال نصوصه أن يستوعبني، عاندت في البداية فكانت لي نصوص لم ترضني رغم أنها أرضت الكثير لأنني رأيت الشعر منذ البداية يتدفق بين كلمات محمد الماغوط وأنسي الحاج وأبي شقرا هؤلاء الذين كانوا بهدوء يقودون البركان المتدفق من أعالي الجبل إلى البحر مشكلين جزر جديدة فيما أعتقد المتحمسون أنه بثورة البركان سيضطر الملوك لتقديم القربان له كي يسير إلى البحر ويهدأ ولم يهمهم البتة ما رسم البركان من أرض جديدة على الشاطئ. أعتقد أن جيلا كجيل أنسي الحاج كحساسية كان ينظر إلى الماء حيث ستقف أقدام أخرى ستأي بينما راح الجميع يشاهدون في فضول إلى حجم القربان ما يكون. وهذا ليس انتقاصا من أحد بل انصافا لما يبقى. وقد تخلصت من كتاباتي قبل هيروغليفا لأنني رأيت فيها صيحة المطالب بالقربان وفضول الإجابة عن سؤال. “ما الذي يعطيه الملوك مقابل كل هذا” لم أشعر أنها لعبتي. ربما تكون هيروغليفيا عمل غير مميز ولكنها بالنسبة لي تجربة طهرتني من إنسان كنته وأعطتني وجهي الذي هو قناعي أهدي سيول البركان إلي البحر ربما يتاح لي أن أصف بعض سكان تلك الجزر التي ستصبح أرضا يوما إننا دوما غدا نكون؟
الطيب لسلوس عرف ضمن حساسية ما بعد أكتوبر 1988 الذي سمي “جيل القطيعة”، هل حدثت القطيعة فعلا؟
القطيعة تحدث كل يوم ولست أنا أو غيري من يقرها إنها إرادة قوى التاريخ في كثافة اليومي والمتحول ولست أدري لما يشعر البعض بالقشعريرة حين نتكلم عن القطيعة مع أنهم هم أنفسهم بإمكانهم أن يحدثوها، والقطيعة لا تعني عدم التواصل مع أشخاص بعينهم أو فترة بعينها، إنما تعني أن هناك مجموعة من المعارف حول تجربة معينة أو فهم معين أصبحت محاطة بملابسات أو غير منطقية أو متجاوزة فمنذ متى صارت الفكرة تعني إنسان بعينه. كما أن القطيعة ليست فعل عشوائي بل هي فعل فلسفي ومعرفي يتيح للوعي نقد نتائج التجربة. ألم تكن جزائر ما بعد وقبل الاستقلال تجربة أليست نضالا يوميا إذن، فلماذا لا يقبل نقد هذا النضال فهو لم يعد ملك أحد بعد، كما أنه غير متعالي أو فوق تاريخي. حتى ولو تنصل منه البعض كونه ما كان، وأنه هم. كما أن القطيعة لا تعني أبدا رمي ما قبلها في سلة المهملات. ومازلنا سنعاني من الآخر أكثر مما يحدث الآن في العالم العربي من نهب للثروات وانتهاك لقيم الانسان ذلك أننا مازلنا لم ننتقل من مفهوم المقاومة الذي أملته شروط قديمة للإستعمار إلى مفهوم المشاركة الذي تعنيه الشروط الجديدة للرسوخ في وجه التحولات والاقتصادات الجديدة. والمفاهيم الجديدة ترى أن الانسان في تحوله من النوم على وسادة المجد الماضى الدافئة دائما إلى الانتباه إلى ما حوله من حياة تحتاج إلى ترميم يومي وإضافة تبدع هذه الحياة. علينا أن نعلّم أطفالنا كيف يبدعون حياة جميلة تسع الجميع.
وأنت تشتغل في الاعلام والتنشيط الثقافي، كيف تقرأ المشهد الثقافي الحالي في الجزائر؟
أبدأ بأسف عظيم حينما يتحول الحوار الثقافي إلى منابزات إعلامية تذكر بعجائز “دار السبيطار” (في رواية “الدار الكبيرة” لمحمد ديب). غير ذلك أنا سعيد كما قلت سعيد بالأصوات الجديدة المؤسسة للمتن الروائي والشعري سعيد بعمارة لخوص والخير شوار ومفتي بشير وعبد الرزاق بوكبة وعلي مغازي وكمال بركاني وعبد الحميد عمران وأسماء كثيرة أعتذر عن ضيق المساحة لذكرهم. ومنزعج ممن يحاول إرفاق كلمة أدب استعجالي على كتابتهم. الكتابة الجديدة هي الإنسان الذي مزقته تناقضات بعض القيم التي لم يتسن للإنسان الجزائري هضمها براحة وتأني. وإذا كان علينا أن نسمع هذا الإنسان الذي لم نسمع له من قبل إلا من حيث هو أداة تغيير واقع والنظر الآن إلى تغيير نظرته هو إلى ذاته وإلى الآخرين فلنفعل ذلك في كتابات هؤلاء.. إن التعنيفات التي حدثت على مستوى بنيات الفرد ليست بالأمر الهين قذفها في أبعاد إيجابية طبعا أنا من جيل لم يجد هدايا جميلة لذلك فهو المخول أن يتكلم عن الجمال كتصعيد للحالة الحرمان على الأقل لهذه العشرية. وليس من حق أحد أن يطالبه بنسيان تلك اللحظات السوداء التي مرت، لأنها هي مصدر إلهام كل ما يستدعى عدم وجودها مرة أخرى هذا إذا كان فعلا المطلوب إنسان لا يريد العنف كمظهر عام أو خاص في حياته أو حياة غيره. نحن نعرف أن ما من مرحلة نريدها أن تدخل كبنية إيجابية في وعي الفرد إلا ويجب استنفاذ جوانب هوامها فكيف نؤسس للجمال دون توضيح تناقضاته السلام عنف العدالة الظلم الحق الواجب كيف يمكن تأسيس هذه الثنائيات. على الممحاة أن تزيل روح أستاذ الإملاء من أنفسنا أولا. وأخيرا المشهد الثقافي الجزائري في عودة جميلة وحضور عميق مكنه في الخروج من عزلته التي رسمت خلال العشرية السابقة وهذا انجاز كبير ربما يتعزز بالعودة إلى الواجهة العربية بوثوق أكبر من خلال بعض الأسماء التي تلمع هناك في الوطن العربي أو في حوض المتوسط وهنا على الساحة أو من خلال الشراكات لبعض الجمعيات الثقافية مع ناشرين ومؤسسات ثقافية. ينقصنا من الان إذا كنا فعلا نؤمن بالكاتب كفاعل قلت ينقصنا صناعة وتسويق الأسماء الأدبية نحن لا نعمل على ذلك أبدا بينما أصبح هذا ضمن السياسات الثقافية الراسخة في ذهن الوعي السياسي في العالم لأن ظاهر الانتشار أي كان أصبحت علما قائما بذاته تشرف عليه مخابر وتتنبأ بأثره وحدوده وتتبناه مؤسسات والكاتب هو أيضا فاعل يحتاج إلى الانتشار لأنه قناع من أقنعة المسرح العام الذي عليه أن يشد الأنظار إليه.
ماذا ننتظر منك في المستقبل القريب، هل من تجربة أدبية جديدة؟
“جدار حتى الضحك” هو عنوان مجموعة أنوي نشرها، إنها عتبة أخرى أكثر نضجا من “هيروغليفيا” ربما ما يجمعهما كوحدة هو الضمير الذي لم يتحول أي التأنيث بدءا بتلك الاختزالية للوجود في ضميرين للوعى التأنيث والتذكير اللذين يشطران الوعي إلى شطرين لا أرى ثالث لهما. كما أن هناك بعض القصائد وهي نصوص مضادة “لفجر إسماعيل أو حمد الآلاء لمحمد ديب” رحمه الله والتي رأى فيها أن اسماعيل ملاك السمع بينما وجدت في إسماعيل الصياد الذي يرى قبل أن يسمع استنادا أيضا إلى اسماعين بالنون وليس باللام حيث أخذ محمد ديب إرث إسماعيل من التسمية التوراتية بينما وجدت إسماعين دارجا منذ القديم بالنون في العربية. طبعا هنا مجرد مقاربات لتلك التجربة العظيمة وكي أبقى وفيا لذلك الجانب البصري من اللغة وجدت متعة أخرى في سيرة إسماعين الصياد. تجربة الجدار حتى الضحك أيضا كتابة لنهايات المعنى الذي ينتهي دائما بالجدار الذي سنصاب بعده بالجنون من حدود القول الذي كنا نعتقد أن براريه لا تنتهي طبعا هنا سنصاب بشيء ما عند الوقوف على الجدار ربما بكى البعض ربما جنوا فعلا ربما انسحبوا إلى كوة الصمت ربما ماتوا خوفا ربما انتبها أن ما بعد الجدار هناك حيت حياة أخرى آخرة أما أنا فأترك للقارئ ما فعلت عند الوصول إلى الجدار
هو واحد من شعراء عنابة المجيدين،خرج من كفنه مبتسما،يطارح بونة أشعاره ورؤاه،فهو الرائي الذي خبرها بكل ما سيحدث،وعندما صدقت رؤاه ولدته يداه شاعرا كما أراد..خانه لسانه مع حرف الراء غير أنه أثبت أن هذا الحرف الذي يكثر استعماله في قصائده شيطانٌ صغيرٌ في ملكوت اللغة،يراوغه ويوسوس له فيقترف الكتابةَ ويتعبد في محرابها،"يرمي في يم الإيماءة معناه"فتصبح للكلمات مدلولات جديدة،غير أن حيرته لن تنتهي عند ذلك،إذ يكذب الوردة ويكذب اللغة و"يكذب الشمعدان"وتحمل يداه أكثر من كف..يكتب بيد ويمحو بالثانية ما كتبت الأولى وفي النهاية يحدث أن تولد لسيف الملوك سكتة قصائد يعيش معها حياة مليئة بالشك واليقين والمغامرة والدهشة..
من أين تغرِفُ قصيدة سيف الملوك سكتة، وكيف تتشكل ؟ وهل تعتقد أن قصيدتك مازالت برعما يكبر أم أنها كبرت وأزهرت ..؟
لو أعرف من أين تنبع الكتابة لانتهت حيرتي،لكنها تتشكل حسب مشيئة عليا في الذات اللانهائية..للشعر حكمته المتنقلة،ولي أن أتفشى دلاليا لأشفى من العادات ..يدَّعي انشتاين أن الخيال أهم من المعرفة ولكنهما لا يستغنيان عن حوارهما ،ولكني أقول مع "يونيسكو"الخيال أكثر واقعية من الواقع ويحتاج شرح الجملة إلى كتابين..فالقصيدة تحاول أن تحافظ على طفولتها ،تتعلم في كل يوم المشي إلى جهة لم تطأها الروح بعد،تراوغ القدمين والرأس وأفق انتظاري لأني القاريء الأول لما لم أكتبه بعد.. حين أكتب أحاول أن أراوغ يدي ولما أفشل في القبض على غزلان المعنى ومطلق الشعرية أحاول نصا آخر..ولذلك كتاباتي تنطلق من فشل سابق .
ما هي حدود الفصل و نقاط الوصل بينك وأنت تكتب ، وبينك وأنت تبدع ؟
- أنا اكتب بيدين؛الواحدة تمحو ما تكتبه الأخرى،كأن لي أكثر من ذات،أستطيع أن أشاهد نفسي من الخارج وأنا أؤدي حياة غريبة عني بما أوتيت من إنسانية،ويظل داخلي مظللا بمغيبه المرتفع العراء.
أكاد أحافظ على لياقتي اللغوية بإضاءة أصابع الروح المقطوعة التي كثيرا ما تكتب متسللة فيقطعها الشعر أحيانا من ورود قلقة..تبدأ الحالة برغبتي الملحة بمغادرة الزمان والمكان على نحوٍ ما..عزلة داخلية وصمت كبير حتى وأنا أثرثر وأمشي مع الآخرين ..لاأحلق ذقني ولا شعري ولا استحم ولا أغير ثيابي حتى تنتهي الحالة بكتابة ما..أحاول أن أكتب متناصا مع نصوص سيكتبها شعراء المستقبل،لأن الشعر كما كل العلوم والفنون تتطور تقنياته وعلينا أن ننصت للآتي بعمق.
ماذا تطرح الكتابة الشعرية عند سيف الملوك سكتة من إشكاليات ؟
- الشعر بدأ في المعابد القديمة،ووجدت أكثر مفهوماته القديمة والحديثة كانها تحدد ماهية الله سبحانه وتعالى،كما ان الشعر طاقة كيميائية وفيزيائية وهندسية وفلسفية–إلى ما لا نتحمله وإلى أوله-وتتدخل في كتابته لا مرئيا الجن والشياطين والملائكة والخيال والمعرفة والخبرة والصدفة والقراءة الخاطئة.. دائما أتفادى الإنزلاق إلى مجاهل قاتلة؛فانا أسير على حافة الكتابة حذرا،فهي كثيرا ما تغير مجرى اليدين،وأراها عبادة أتقرب بها إلى الله لما فيها من روحه.
تكتب نصوصك الشعرية منطلقا من رؤية حداثية تحمل اللغة هاجسا ، كيف تراوغ هذه اللغة – السهل الممتنع - و كيف تطوِّعها ؟
- اللغة عجينتي المفضلة أخبزها على أفران القلب وأنا متكيء إلى الهاوية،متأملا سحب الرؤى الممطرة حيث تشاء..أنا أعلم أن خراجها لي،وكما قلت فالحداثة بمفهوماتها المتداولة أضحت كلاسيكية ينبغي تجاوزها ليس بما بعد الحداثة كما يحدث دائما وإنما بتأمل المشهد من داخله واستعادة الرؤية والرؤيا،والعذرية الشعرية دلاليا..لا نريد أن نكتب كما كتب أجدادنا الشعراء،بل كما سيكتب أحفادنا..أفكر في الشعركخلفية نظرية وبالأبعاد الثلاث لإيتالو كالفينو"السرعة والخفة والحركة"،أشتغل على الحذف لأن البياض ضروري لامتحان ذكاء القاريء وخياله وثقافته ليملأ النصوص الغائبة..ويحدث لي مع اللغة ما يحدث للمتصوف مع فيضه وحلوله..لا أدعي أكثر فانا أمارس الحب مع اللغة في اللغة .
يرى بعض الشعراء أن في قصيدة النثر مستقبل الفن الأدبي ، ماذا يرى سيف الملوك سكتة فيها ؟
- النثر تراث الآتي،وهو يحمل طاقات دلالية وشعرية لا تتيحها القصيدة العمودية فحد الشعرية ينبغي ان يتغير تبعا لما اكتشفناه كما تغيرت حدود العلوم و الفنون كلها..قيل قديما أجود الشعر ما إن قرأت الشطر الأول توقعت الشطر الثاني ، وحد الشعر حديثا ألا نتوقع الجملة الثانية ولا حتى الإيقاع الذي يظل في القصيدة الكلاسيكية شكلا حديديا ونظاما موسيقيا عسكريا،بينما لو بحثنا قليلا لوجدنا أصل الوزن الساكن والمتحرك"السبب والوتد"وذلك متوفر في النثر بما يكفي؛فاللغة تحمل وزنها وإيقاعها النابع من داخل الشاعر،إيقاع الحياة الغائب،موسيقى حرة يرقص عليها الشاعر.
يستسهل البعض كتابة القصيدة النثرية، هل تراها فعلا الشكل الأسهل في الكتابة الشعرية ؟
- الشعر صعب،لايمكن اصطياده بمهارة كافية،والنثر يتيح مساحة أكبر للرؤية،وللحفر في أديم الآدمية العذراء وغابات اللغة المتفجرة غواية،وإذا كنت أعتبر البحور الخليلية عكازات يسير بها الشعراء الكلاسيكيون في أرض الشعر الوعرة،فالنثر هو السير بدون عكازات،وهنا يصعب الحفاظ على التوازن الحر،واتباع الموسيقى الداخلية العميقة المتدفقة التي تذهب كالماء في اودية السماء.ولقد لاحظت أن أغلب من يكتبون القصيدة العمودية مصابين بالغباء والسطحية وأمراض العظمة،وقليلون ممن يكتبون النص التفعيلي أو النثري بذكاء أصابوا الشعرية..لا بد أن نتعلم كيف نتفادى المجاملات القاتلة والنظر في بحيرة النرجس،ومع أني أخشى أن أكون من بين الحمقى هؤلاء إلا أني أقول مع أليعازر"ينبغي قطع رأس الأحمق"ويبقى الشعر أكبر من الشعراء.
يصعب الإمساك باللحظة الشعرية عند كتابة قصيدة النثر ، كما تصعب أيضا كتابة قصيدة نثر فيها إيقاع وموسيقى داخلية ، ماذا تحمل – في رأيك - قصيدة النثر بداخلها من تقنيات ولغة ومواضيع ؟
- النص النثري نص المطلق،يحمل موسيقاه المتغيرة حسب التوتر الداخلي،يحمل معناه بعيدا ليصيب الدهشة،ويوظف كل ما لا تتوقعه القصيدة العمودية .
ترفض بشدة ما يكتبه شعراء اليوم من قصائد عمودية ، هل ترفض بذلك أن يتسع الواقع الشعري لكل ما هو شعر بغض النظر عن كون النص قصيدة نثر أو تفعيلة أو قصيدة عمودية ؟
- القصيدة العمودية بنية فكرية وسياسية ونفسية تنتمي إلى نظام القبيلة العربية قديما الذي يناسب حياتها،فهي ليست بريئة،ومن السذاجة أن تظل مستعملة..هناك من يقول إن الشعر الحديث غربي،وما يردده ادونيس أن أصوله عربية في"الثابت والمتحول"أو في "زمن الشعر"محض تعرية المتعري،وأنا أتساءل لما لا نستفيد من الأدوات الشعرية العالمية كما استفدنا في كل المعارف،أم أن نرجس ينظر إلى نفسه في مرآة الماء ويقول الشعر معجزة العرب،ولا يصلح آخر شعر الأمة إلا بما صلح به أولها"ولي تأويل مختلف لذلك".
ألا ترى معي أن العيب لا يكمن في القوالب وإنما فيمن يصب كتاباته فيها ؟
- إن تحرير قصيدة كعتق رقبة، فنحن في عصر النص العابر للأجناس الأدبية،ولكن على الذين لا يطيقونه أن يطلقوه،فالقصيدة العمودية ذات بنية واحدة ديكتاتورية،ومازال الشعراء العبيد يتحملون أوزارها..لم يفهموا ان الشكل اختيار والذي يملك الاختيار هو المتمرس في كل الأشكال،فطفولتي الشعرية بدات بالنص العمودي،ولكنني تحررت منه ومن السلاسل الذهبية التي وضعها الخليل بن احمد الفراهيدي،تلك العكازات التي وضعها للكسالى والمقعدين،ومن جرب يعرف أن النص النثري أصعب الأشكال الشعرية .
فيما تفكر الآن ، وماهو جديدك ؟
- أفكر في نفي التروديناميكا"علم الحركيات"وكيف أطبق الفلسفة الفيزيائية على نصوص شعرية..تحدثت عن رواية فلم أكملها،تحدثت عن كتاب نظري "الأقليات المبدعة"فلم اكمله،لذلك لن أتحدث عن جديد يتقادم إلا بعد غد.
ما هي برأيك خصائص الكتابة الشعـرية لدى الجيل الجديد من الشعراء بالجزائر؟
- إذا كان جيل السبعينات هو جيل التأسيس وجيل الثمانينات هو جيل الشعرية،فجيل التسعينات جيل إرتياد الآفاق المتغيرة،جيل الاحتفال بالمعنى ،والاستعمال الذكي للغة،والنصوص المثقفة،وجيل الالفين سيكون أكثر جمالية وسيشهد تغيرات أفقية وعمودية بدءا من 2030،حيث سيصبح للشعر مفهوم مختلف،فتجارب النص التفاعلي ومن خلال الأصابع الذكية والإلكترونية المتدخلة في عملية الكتابة الأخرى..علينا أن نحدس بعمق شعرية متغيرة نؤرخ لها من المستقبل تنازليا،فالأغبياء يريدون بقاء الشعرية على ما كانت عليه.. بينما كل شيء يتطور إلى ما يريده الله والإنسان الذكي،وخصائص الشعرية الجزائرية الآن أنها متحركة ومتعددة المنابع،واللافت أنها لا تمتلك شاعرا كبيرا ولا مرجعية كافية،ولا واقعا ثقافيا ملائما لإنتاج العبقريات،ولكن الرهان سيكون على الإجتهاد الفردي ممن يمتلكون مخابر شعرية يجربون فيها تفاعلات المعنى والشكل والروح .
عهدناك من المناشدين بإلحاح لـوضع قانون خاص بالكاتب في الجزائر ، يضمن له جملة من الحقوق التي هو الآن محروم من أدناها ، حدثني عن هذا القانون وعن مضمونه ؟
هناك نصوص تشريعية خاصة بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة إلا انها متاخرة بما لا يسمح للمبدع ان يتحصل على حقوقه التي لا يعرف عنها إلا ما يعرفه في حالة المرض التقاعد التعويض،التفرغ الإبداعي والمساعدات الإجتماعية لكن ينبغي لإتحاد الكتاب الجزائريين أن يكون نقابة تدافع عن المصالح المادية والمعنوية للكتاب وكذا الجمعيات الثقافية والكتاب والمثقفون المتواجدون في البرلمان أوالوزارات يجب أن يتحدوا ككل الأقليات الحيوانية الآيلة للإنقراض،والتي تدافع عن نفسها بشراسة،وهذا حتى يكونوا انتلجنسيا تفتقدها الجزائر.
ما هو موقفك من الحـركة النقـدية بالجـزائر؟
- أنا أعول على المبدعين المتواجدين في مخابر الجامعات ليبعثوا حركة نقدية متفاعلة مع ما يُكتب، ويهمني النقد المبدع الذي يضيف إلى النص لا الذي يدرسه كما يدرس عمارة أو تاريخ الأمة العباسية والأموية ..النقد لم يبدأ بعد ..
نقلا عن مجلة النرد
حاورته/ نوارة لحرش
الخير شوار كاتب جزائري له اصدارات قصصية وروائية منها (زمن المكاء، ومات العشق بعده) عن منشورات الاختلاف ورواية "حروف الضباب" عن منشورات الاختلاف الجزائرية والدار العربية للعلوم اللبنانية ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الإماراتية، له تجربة اعلامية متميزة لا سيما باشرافه على الملحق الأدبي ليومية "اليوم" (اليوم الأدبي)، في هذا الحوار يتحدث الكاتب شوار عن روايته حروف الضباب وعن الأجواء النفسية التي عاشها وقت كتابته لها وعن الموروث الشعبي الذي يراه أقرب إلى واقعه وبيئته الكيانية وعن الأسطورة/أسطورته الذاتية المحلية بالأساس
* صدرت روايتك "حروف الضباب" عن منشورات الاختلاف (الجزائر)، والدار العربية للعلوم (بيروت)، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم (دبي)، ماذا تقول عن هذه الرواية وما رأيك في هذا النشر المشترك الذي حتما يخدم العمل أكثر؟
** أنا سعيد بهذه "النهاية المفتوحة" للرواية التي عاشت معي طويلا وتسببت لي في آلام نفسية كبيرة، فالنشر المشترك بين ثلاث من أهم دور النشر في شمال إفريقيا والشام والخليج من شأنه إعطاء المتن الروائي فرصة أكبر للانتشار عربيا وأخذ حقه من الاهتمام إن كان القارئ يرى ذلك طبعا، وبخصوص الرواية فقد كانت بمثابة الكابوس الذي لازمني منذ أن ولد بشكل مفاجئ في رأسي في أكتوبر 2000 ولم أتخلص منه إلا بعد أن أعدت كتابته بشكل نهائي في شهر أوت من سنة 2008، فقد كنت أنوي الانتهاء منها في بداية هذه الألفية الجديدة غير أن الحظ لم يكن معي في الكثير من المناسبات وكأن الأقدار كانت تخفي لي شيئا آخر غير الذي تصورته قبل الآن، وفي كل الحالات أنا الآن أشعر براحة نفسية كبيرة لأن أجواء أحداث الرواية لم أتخلص منها طيلة كل تلك السنين إلا مع إعادة الكتابة النهائية التي بدأتها قبل سنة من الآن.
* لكن لماذا أعدت كتابة العمل، وطبعا الكتابة الثانية كانت مغايرة عن الأولى، هل الكتابة الأولى لم ترقك، لم تمتص هواجسك وخلجات
المتن بشكل كاف؟
** لو امتص العمل في صيغته الأولى هواجسي وخلجاتي لما أعدت كتابته بكل ما يسبب ذلك من ألم ويحرك مواجع كنت في غنى عنها.
* لقد اعتبرت الرواية من طرف بعض النقاد أهم عمل روائي في أدب الجيل الجديد، ما رأيك في هذه الإشادة وإلى أي حد أنت سعيد بها ؟
** فعلا مثلما تفضلتِ بالقول فإن البعض اعتبر "حروف الضباب" أهم الأعمال الروائية للجيل الجديد، وكنت في البداية أتصوّر هذا الحكم، لكن بالمقابل هناك من اعتبرها كتابة سيئة ولا تستحق الاهتمام وقد صدمت لهذا الحكم في البداية، لكني استوعبته بعد ذلك وأصبحت على قناعة راسخة بإحدى بديهيات العلاقات الإنسانية التي تقول: "إرضاء الناس غاية لا تدرك"، ولست من أنصار نظرية المؤامرة حتى أرى أن الأحكام السلبية على العمل هي من قبيل الغيرة، والمهم في كل الحالات أني سعيت إلى كتابة نص روائي كما تصورته وأعتقد أني نجحت إلى حد بعيد رغم كل الظروف التي صاحبت الكتابة في كل مراحلها.
* هل أنت الآن مفرغ من العمل أم ممتليء به أكثر رغم ما سببه لك من آلام؟
** أنا الآن أشعر براحة نفسية كبيرة بعد إعادة الكتابة تلك التي أرهقتني نفسيا بشكل كبير، ولأول مرة منذ سنين أشعر بهذا، ولا أدري ولم أسأل نفسي إن كنت ممتلئا بالعمل أو مفرغا منه، والمهم أني أعطيته بعض الاهتمام الذي يستحقه وتخلصت منه ربما إلى الأبد، فإن لم يستطع الدفاع عن نفسه بنفسه بعد الآن فالمشكلة فيه وليست فيّ.
* الزواوي بطل الرواية اسم شعبي والأحداث في بيئة شعبية مشبعة بكل المورثات الشعبية والتراثية، لماذا هذه الأجواء بالتحديد التي تأسرك وتحب التحرك فيها إبداعيا؟ فعادة تشتغل على الموروث الشعبي كثيرا، هل هذا راجع للبيئة، للمحيط، لقراءاتك الأولى، لماذا؟ هل تجد راحتك ونفسيتك في هكذا أجواء؟
** قبل الكتابة قرأت الكثير من المتون الروائية شرقا وغربا وفي لحظة الكتابة الأولى وجدتني أنا القروي الذي لم يمكث في المدينة إلا زائرا عابرا لا يمكن لي الكتابة عن أشياء لا أعرفها، فإما أن أكتب ذاتي أو لا أكتب ولست من أولائك الذين يستنسخون تجارب الآخرين ببغائية ، فمن هنا جاءت الأجواء شعبية أما عن التراث فإن أول نص قرأته خارج المقررات المملة والمتخشبة هو "ألف ليلة وليلة"، فلا عجب أن جاء متني الأول في هذا السياق، لكني ورغم هذا لست أسير ذلك التراث الشعبي فأنا أزعم أني متعدد ولي الكثير من التجارب المختلفة وما طريقة كتابة نصوص "زمن المكاء" إلا دليلا على ذلك.
* أيضا توظف الأسطورة وأجواءها في متونك الأدبية، هل تصر على هكذا توظيفات أم هي تأتي تلقائيا وحسب سياقاتها الإبداعية؟
** نشأت في بيئة "أسطورية" والكثير من المشاهد الأسطورية في "حروف الضباب" تعتبر في تلك البيئة حقائق واقعية، وكنت أعجب من القول أن الأساطير إغريقية وآشورية قديمة وأن ثقافتنا "لا أسطورية"، ولئن أخذت بقراءة أساطير الشعوب ففي لحظة الكتابة كان عليّ أن أكتب أسطورتي المحلية التي تم إهمالها وتكاد تنقرض مع ذهاب الجيل الذي سبقنا، فمن غير المنطقي ألا نستثمر هذا التراث الكبير ونلجأ إلى استيراد أساليب الكتابة مثلما ألفنا استيراد كل شيء في الحاويات التي تمتلئ بها موانئنا.
* الزواوي اسم واحد يحمله أكثر من ثلاثة أشخاص في الرواية،فما الذي تريد قوله من خلال هذه الشخصيات المشتركة في الاسم، المتعددة والمتغايرة في الذهنيات والخصوصيات؟
** في طفولتي الأولى كنت مسكونا حد الرعب بمسألة "مصير الإنسان" وأفكر في الطفل الذي يتحول إلى شيخ ثم يصبح "نسيا منسيا" وهذا الاستمرار في الحياة بهذه الطريقة المفجعة، وفي كل المراحل يبقى الإنسان هو الإنسان الذي مازال يعاني البؤس وحتى الجوع في عالم يدّعي التقدم، ومسألة تكرر اسم الزاوي في ظروف مختلفة هو تأكيد على تكرر المأساة مع أشخاص مختلفين كأنهم شخص واحد وما ينطبق على "الزواوي" وغربته المختلفة في كل عصر ينطبق على "الياقوت" التي كانت امرأة مستسلمة لقدرها المحتوم ثم تحولت إلى مكافحة في سبيل حبها لتستحيل طيفا في النهاية فهي المأساة التي تتكرر في كل عصر وهو الإنسان الواحد في تعدده.
* ينسحب الزواوي في حالة اختفاء غامضة ليترك مكانه للراوي، فهل الراوي بطل بالنيابة، ثم الراوي في الروايات الحديثة شبه غائب، لأنها لا تحتاجه ربما، أو لأنها استغنت عنه، ما رأيك؟
** كنت مأخوذا بشخصية الراوي منذ الطفولة، منذ أن كنت أذهب إلى الأسواق الشعبية وأنظم إلى حلقة ذلك الشيخ الذي يغني ويعزف ويقوم بأعمال سحرية ويحكي ويحكي قصص "سيد علي" و"وادي السيسبان" وغيرها، وأما عن حضور الراوي كشخصية في الرواية فكان لأسباب سردية بحتة، فقد تدخل في اللحظة المناسبة وتولى دفة القول بحيادية تصل إلى درجة البرودة في نقل التفاصيل من مكان إلى آخر ومن عصر إلى آخر.
* الرواية تشير إلى الأزمنة أكثر مما تشير إلى الأمكنة، فما الذي يجمع الأزمنة المختفلة لشخصيات
الرواية بالمكان الواحد؟
** أعتقد أن تعدد الأزمنة كان من تعدد الأمكنة رغم أن محور السرد كان في قرية عين المعقال، ومع تعدد الأمكنة كان التركيز على القرية ضروريا حتى تكتمل محنة البطل المتعدد الذي عاش في مكان واحد لكن في أزمنة مختلفة.
* كسارد وكاتب ما الذي يعنيه لك المكان، المكان في الحياة، المكان في الروايات، المكان في الأحلام، في الواقع، كيف تعيش الحالة المكانية؟
** أنا معجب بمقولة عالم الاجتماع المصري الراحل جمال حمدان التي صاغها في كتابه الشهير "دراسة في عبقرية المكان"، فالمكان مهما كان يحتاج إلى مساءلة حتى يكون العمل الأدبي أصيلا، وإلا أصبح مجرد ترديد ببغائي لأعمال قرأها وللأسف فإن الكثير من الأمكنة التي نقرأ عنها هي وليدة ذاكرة كتب لا ذاكرة عين ، ومن هنا وجدت من الصعب الكتابة عن مدينة الجزائر العاصمة من الداخل فإن كتبت عنها لن أتمكن من الغوص في تفاصيلها الدفينة وأكتفي بالقراءة الظاهرية على عكس القرية التي أزعم أني أعرف تفاصيلها فهو مكان الكتابة ومكان الحلم وحتى الكابوس.
* قلت بأنك ابتعدت عن الأساليب المكررة في كتابة الرواية النمطية، برأيك ما الذي يجعل رواية ما نمطية وما الذي يجعلها مغايرة وبعيدة عن كل نمطية؟
** تعجبني مقولة لأحد الشعراء المشهورين مفادها أن الذي يسير في إثر شخص غيره فهو بالضرورة سيصل إلى بيت ذلك الشخص الذي يقتفي أثره ولن يتمكن من الوصول إلى بيته في كل الحالات، والأساليب النمطية في الكتابة السردية وحتى المحسوبة على الشعر علتها الأساسية في الانطلاق من النصوص المكتوبة لا من التجارب الشخصية، فمهما كانت تجربة الإنسان صغيرة فلو كتبها بصدق فسيصل حتما إلى كتابة نص مختلف تحترمه مهما اختلفت معه.
* لكن هناك من يقول أن النص لا يأتي إلا من نص آخر، إلى أي حد ترى هذه المقولة صائبة أو خاطئة؟
** طبعا التراكم مطلوب في الكتابة وفي كل الفنون والعلوم والمعارف فلا يمكن أن نبدأ من العدم، لكن هذا لا يعني أننا نكتفي بترديد النصوص الأولى المؤسسة لأي فن وإلا سقطنا في التكرار والببغائية، فالكاتب مهما كانت قيمته له خصوصيته وبصمته التي لا تكون لغيره وهذا هو الفرق الجوهري بين الكاتب واللاكاتب
* هل يمكن اعتبار روايتك، رواية الحكايات المتشعبة والأصوات المتعددة؟
** لم أكن أقصد ذلك، فقد تعمدت الكتابة عن ذاتي، فالانطلاق من حادثة اختفاء الزواوي المعاصر الذي يشبهني حد التطابق في فترة مراهقتي الأولى كان يمكن أن أكتبها بطريقة ذاتية، لكن الأحداث التي تتابعت بعد ذلك فرضت ذلك النمط الذي يشبه طريقة ألف ليلة وليلة بالدوائر الصغيرة التي تحيل في النهاية إلى دائرة كلية كبيرة، وبالمناسبة، فجدي الأول كان يسكن بالضبط في المكان الذي يحتوي ضريح ومقبرة "سيدي الخير" بمنطقة سطيف قبل أن يتجه قليلا نحو الجنوب، وجدي الأقرب هو من سمّاني الخير تبركا باسمه، فكان يمكن أن يكون اسم البطل "الخير" لكني اعتمدت اسم الزواوي وهو اسم ولي لا يبعد ضريحه عن ضريح سيدي الخير إلا ببضع العشرات من الأمتار، فما تمسينه التشعب وتعدد الأصوات جاء بشكل تلقائي دون أي تخطيط مسبق.
* ماذا أعطتك الرواية/ الكتابة.. هل أنت مطمئن لهما؟
** ماذا أعطتني الكتابة ؟.. منحتني شيئا من التطهر، كنت أعيش غربة كبيرة وكنت على حافة الجنون (تماما مثل الزواوي)، لكني الآن أصبحت أكثر اطمئنانا، لكني مازالت أحس بأني لم أقل شيئا، وما يجب أن أكتبه.. لم أكتبه بعد.
* لكن الكتابة تدفع أحياناإلى الجنون، فهل الجنون هو نوع من التطهر؟ ما رأيك؟
** لا أعتقد أن الكتابة تدفع إلى الجنون، فالتطهر هو التخلص من الأسباب التي تؤدي إلى الجنون، فإن جنّ كاتب فأعتقد أن الأسباب المؤدية إلى ذلك هي خارج الكتابة.
* ماذا بعد حروف الضباب؟
** الكثير من المشاريع السردية تنتظر توفر الزمن النفسي لكتابتها، فالعمل الصحفي اليومي لم يستنفد طاقتي لكنه جعلني في حالة انتظار طويلة،وأنا الآن بصدد الاشتغال على أحد تلك المشاريع وقد انتهي منه بعد سنة أو أكثر من ذلك قليلا أو كثيرا، إضافة إلى مشاريع أخرى في القصة القصيرة والمقالة الأدبية وأدب الرحلة التي سيصدر في حينها.
* بماذا تحب أن نختم الحوار، قل ما تشاء؟
** ماذا أقول؟..هل نحن في النهاية؟، إننا في البداية وأنا لا أحب النهايات، شكرا لك نوّارة على هذه الفسحة، ودمتِ محاورة جيدة في زمن "المونولوج" هذا.
أجري الحوار أواخر سنة 2008
الخير شوار كاتب جزائري له اصدارات قصصية وروائية منها (زمن المكاء، ومات العشق بعده) عن منشورات الاختلاف ورواية "حروف الضباب" عن منشورات الاختلاف الجزائرية والدار العربية للعلوم اللبنانية ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الإماراتية، له تجربة اعلامية متميزة لا سيما باشرافه على الملحق الأدبي ليومية "اليوم" (اليوم الأدبي)، في هذا الحوار يتحدث الكاتب شوار عن روايته حروف الضباب وعن الأجواء النفسية التي عاشها وقت كتابته لها وعن الموروث الشعبي الذي يراه أقرب إلى واقعه وبيئته الكيانية وعن الأسطورة/أسطورته الذاتية المحلية بالأساس
* صدرت روايتك "حروف الضباب" عن منشورات الاختلاف (الجزائر)، والدار العربية للعلوم (بيروت)، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم (دبي)، ماذا تقول عن هذه الرواية وما رأيك في هذا النشر المشترك الذي حتما يخدم العمل أكثر؟
** أنا سعيد بهذه "النهاية المفتوحة" للرواية التي عاشت معي طويلا وتسببت لي في آلام نفسية كبيرة، فالنشر المشترك بين ثلاث من أهم دور النشر في شمال إفريقيا والشام والخليج من شأنه إعطاء المتن الروائي فرصة أكبر للانتشار عربيا وأخذ حقه من الاهتمام إن كان القارئ يرى ذلك طبعا، وبخصوص الرواية فقد كانت بمثابة الكابوس الذي لازمني منذ أن ولد بشكل مفاجئ في رأسي في أكتوبر 2000 ولم أتخلص منه إلا بعد أن أعدت كتابته بشكل نهائي في شهر أوت من سنة 2008، فقد كنت أنوي الانتهاء منها في بداية هذه الألفية الجديدة غير أن الحظ لم يكن معي في الكثير من المناسبات وكأن الأقدار كانت تخفي لي شيئا آخر غير الذي تصورته قبل الآن، وفي كل الحالات أنا الآن أشعر براحة نفسية كبيرة لأن أجواء أحداث الرواية لم أتخلص منها طيلة كل تلك السنين إلا مع إعادة الكتابة النهائية التي بدأتها قبل سنة من الآن.
* لكن لماذا أعدت كتابة العمل، وطبعا الكتابة الثانية كانت مغايرة عن الأولى، هل الكتابة الأولى لم ترقك، لم تمتص هواجسك وخلجات
المتن بشكل كاف؟
** لو امتص العمل في صيغته الأولى هواجسي وخلجاتي لما أعدت كتابته بكل ما يسبب ذلك من ألم ويحرك مواجع كنت في غنى عنها.
* لقد اعتبرت الرواية من طرف بعض النقاد أهم عمل روائي في أدب الجيل الجديد، ما رأيك في هذه الإشادة وإلى أي حد أنت سعيد بها ؟
** فعلا مثلما تفضلتِ بالقول فإن البعض اعتبر "حروف الضباب" أهم الأعمال الروائية للجيل الجديد، وكنت في البداية أتصوّر هذا الحكم، لكن بالمقابل هناك من اعتبرها كتابة سيئة ولا تستحق الاهتمام وقد صدمت لهذا الحكم في البداية، لكني استوعبته بعد ذلك وأصبحت على قناعة راسخة بإحدى بديهيات العلاقات الإنسانية التي تقول: "إرضاء الناس غاية لا تدرك"، ولست من أنصار نظرية المؤامرة حتى أرى أن الأحكام السلبية على العمل هي من قبيل الغيرة، والمهم في كل الحالات أني سعيت إلى كتابة نص روائي كما تصورته وأعتقد أني نجحت إلى حد بعيد رغم كل الظروف التي صاحبت الكتابة في كل مراحلها.
* هل أنت الآن مفرغ من العمل أم ممتليء به أكثر رغم ما سببه لك من آلام؟
** أنا الآن أشعر براحة نفسية كبيرة بعد إعادة الكتابة تلك التي أرهقتني نفسيا بشكل كبير، ولأول مرة منذ سنين أشعر بهذا، ولا أدري ولم أسأل نفسي إن كنت ممتلئا بالعمل أو مفرغا منه، والمهم أني أعطيته بعض الاهتمام الذي يستحقه وتخلصت منه ربما إلى الأبد، فإن لم يستطع الدفاع عن نفسه بنفسه بعد الآن فالمشكلة فيه وليست فيّ.
* الزواوي بطل الرواية اسم شعبي والأحداث في بيئة شعبية مشبعة بكل المورثات الشعبية والتراثية، لماذا هذه الأجواء بالتحديد التي تأسرك وتحب التحرك فيها إبداعيا؟ فعادة تشتغل على الموروث الشعبي كثيرا، هل هذا راجع للبيئة، للمحيط، لقراءاتك الأولى، لماذا؟ هل تجد راحتك ونفسيتك في هكذا أجواء؟
** قبل الكتابة قرأت الكثير من المتون الروائية شرقا وغربا وفي لحظة الكتابة الأولى وجدتني أنا القروي الذي لم يمكث في المدينة إلا زائرا عابرا لا يمكن لي الكتابة عن أشياء لا أعرفها، فإما أن أكتب ذاتي أو لا أكتب ولست من أولائك الذين يستنسخون تجارب الآخرين ببغائية ، فمن هنا جاءت الأجواء شعبية أما عن التراث فإن أول نص قرأته خارج المقررات المملة والمتخشبة هو "ألف ليلة وليلة"، فلا عجب أن جاء متني الأول في هذا السياق، لكني ورغم هذا لست أسير ذلك التراث الشعبي فأنا أزعم أني متعدد ولي الكثير من التجارب المختلفة وما طريقة كتابة نصوص "زمن المكاء" إلا دليلا على ذلك.
* أيضا توظف الأسطورة وأجواءها في متونك الأدبية، هل تصر على هكذا توظيفات أم هي تأتي تلقائيا وحسب سياقاتها الإبداعية؟
** نشأت في بيئة "أسطورية" والكثير من المشاهد الأسطورية في "حروف الضباب" تعتبر في تلك البيئة حقائق واقعية، وكنت أعجب من القول أن الأساطير إغريقية وآشورية قديمة وأن ثقافتنا "لا أسطورية"، ولئن أخذت بقراءة أساطير الشعوب ففي لحظة الكتابة كان عليّ أن أكتب أسطورتي المحلية التي تم إهمالها وتكاد تنقرض مع ذهاب الجيل الذي سبقنا، فمن غير المنطقي ألا نستثمر هذا التراث الكبير ونلجأ إلى استيراد أساليب الكتابة مثلما ألفنا استيراد كل شيء في الحاويات التي تمتلئ بها موانئنا.
* الزواوي اسم واحد يحمله أكثر من ثلاثة أشخاص في الرواية،فما الذي تريد قوله من خلال هذه الشخصيات المشتركة في الاسم، المتعددة والمتغايرة في الذهنيات والخصوصيات؟
** في طفولتي الأولى كنت مسكونا حد الرعب بمسألة "مصير الإنسان" وأفكر في الطفل الذي يتحول إلى شيخ ثم يصبح "نسيا منسيا" وهذا الاستمرار في الحياة بهذه الطريقة المفجعة، وفي كل المراحل يبقى الإنسان هو الإنسان الذي مازال يعاني البؤس وحتى الجوع في عالم يدّعي التقدم، ومسألة تكرر اسم الزاوي في ظروف مختلفة هو تأكيد على تكرر المأساة مع أشخاص مختلفين كأنهم شخص واحد وما ينطبق على "الزواوي" وغربته المختلفة في كل عصر ينطبق على "الياقوت" التي كانت امرأة مستسلمة لقدرها المحتوم ثم تحولت إلى مكافحة في سبيل حبها لتستحيل طيفا في النهاية فهي المأساة التي تتكرر في كل عصر وهو الإنسان الواحد في تعدده.
* ينسحب الزواوي في حالة اختفاء غامضة ليترك مكانه للراوي، فهل الراوي بطل بالنيابة، ثم الراوي في الروايات الحديثة شبه غائب، لأنها لا تحتاجه ربما، أو لأنها استغنت عنه، ما رأيك؟
** كنت مأخوذا بشخصية الراوي منذ الطفولة، منذ أن كنت أذهب إلى الأسواق الشعبية وأنظم إلى حلقة ذلك الشيخ الذي يغني ويعزف ويقوم بأعمال سحرية ويحكي ويحكي قصص "سيد علي" و"وادي السيسبان" وغيرها، وأما عن حضور الراوي كشخصية في الرواية فكان لأسباب سردية بحتة، فقد تدخل في اللحظة المناسبة وتولى دفة القول بحيادية تصل إلى درجة البرودة في نقل التفاصيل من مكان إلى آخر ومن عصر إلى آخر.
* الرواية تشير إلى الأزمنة أكثر مما تشير إلى الأمكنة، فما الذي يجمع الأزمنة المختفلة لشخصيات
الرواية بالمكان الواحد؟
** أعتقد أن تعدد الأزمنة كان من تعدد الأمكنة رغم أن محور السرد كان في قرية عين المعقال، ومع تعدد الأمكنة كان التركيز على القرية ضروريا حتى تكتمل محنة البطل المتعدد الذي عاش في مكان واحد لكن في أزمنة مختلفة.
* كسارد وكاتب ما الذي يعنيه لك المكان، المكان في الحياة، المكان في الروايات، المكان في الأحلام، في الواقع، كيف تعيش الحالة المكانية؟
** أنا معجب بمقولة عالم الاجتماع المصري الراحل جمال حمدان التي صاغها في كتابه الشهير "دراسة في عبقرية المكان"، فالمكان مهما كان يحتاج إلى مساءلة حتى يكون العمل الأدبي أصيلا، وإلا أصبح مجرد ترديد ببغائي لأعمال قرأها وللأسف فإن الكثير من الأمكنة التي نقرأ عنها هي وليدة ذاكرة كتب لا ذاكرة عين ، ومن هنا وجدت من الصعب الكتابة عن مدينة الجزائر العاصمة من الداخل فإن كتبت عنها لن أتمكن من الغوص في تفاصيلها الدفينة وأكتفي بالقراءة الظاهرية على عكس القرية التي أزعم أني أعرف تفاصيلها فهو مكان الكتابة ومكان الحلم وحتى الكابوس.
* قلت بأنك ابتعدت عن الأساليب المكررة في كتابة الرواية النمطية، برأيك ما الذي يجعل رواية ما نمطية وما الذي يجعلها مغايرة وبعيدة عن كل نمطية؟
** تعجبني مقولة لأحد الشعراء المشهورين مفادها أن الذي يسير في إثر شخص غيره فهو بالضرورة سيصل إلى بيت ذلك الشخص الذي يقتفي أثره ولن يتمكن من الوصول إلى بيته في كل الحالات، والأساليب النمطية في الكتابة السردية وحتى المحسوبة على الشعر علتها الأساسية في الانطلاق من النصوص المكتوبة لا من التجارب الشخصية، فمهما كانت تجربة الإنسان صغيرة فلو كتبها بصدق فسيصل حتما إلى كتابة نص مختلف تحترمه مهما اختلفت معه.
* لكن هناك من يقول أن النص لا يأتي إلا من نص آخر، إلى أي حد ترى هذه المقولة صائبة أو خاطئة؟
** طبعا التراكم مطلوب في الكتابة وفي كل الفنون والعلوم والمعارف فلا يمكن أن نبدأ من العدم، لكن هذا لا يعني أننا نكتفي بترديد النصوص الأولى المؤسسة لأي فن وإلا سقطنا في التكرار والببغائية، فالكاتب مهما كانت قيمته له خصوصيته وبصمته التي لا تكون لغيره وهذا هو الفرق الجوهري بين الكاتب واللاكاتب
* هل يمكن اعتبار روايتك، رواية الحكايات المتشعبة والأصوات المتعددة؟
** لم أكن أقصد ذلك، فقد تعمدت الكتابة عن ذاتي، فالانطلاق من حادثة اختفاء الزواوي المعاصر الذي يشبهني حد التطابق في فترة مراهقتي الأولى كان يمكن أن أكتبها بطريقة ذاتية، لكن الأحداث التي تتابعت بعد ذلك فرضت ذلك النمط الذي يشبه طريقة ألف ليلة وليلة بالدوائر الصغيرة التي تحيل في النهاية إلى دائرة كلية كبيرة، وبالمناسبة، فجدي الأول كان يسكن بالضبط في المكان الذي يحتوي ضريح ومقبرة "سيدي الخير" بمنطقة سطيف قبل أن يتجه قليلا نحو الجنوب، وجدي الأقرب هو من سمّاني الخير تبركا باسمه، فكان يمكن أن يكون اسم البطل "الخير" لكني اعتمدت اسم الزواوي وهو اسم ولي لا يبعد ضريحه عن ضريح سيدي الخير إلا ببضع العشرات من الأمتار، فما تمسينه التشعب وتعدد الأصوات جاء بشكل تلقائي دون أي تخطيط مسبق.
* ماذا أعطتك الرواية/ الكتابة.. هل أنت مطمئن لهما؟
** ماذا أعطتني الكتابة ؟.. منحتني شيئا من التطهر، كنت أعيش غربة كبيرة وكنت على حافة الجنون (تماما مثل الزواوي)، لكني الآن أصبحت أكثر اطمئنانا، لكني مازالت أحس بأني لم أقل شيئا، وما يجب أن أكتبه.. لم أكتبه بعد.
* لكن الكتابة تدفع أحياناإلى الجنون، فهل الجنون هو نوع من التطهر؟ ما رأيك؟
** لا أعتقد أن الكتابة تدفع إلى الجنون، فالتطهر هو التخلص من الأسباب التي تؤدي إلى الجنون، فإن جنّ كاتب فأعتقد أن الأسباب المؤدية إلى ذلك هي خارج الكتابة.
* ماذا بعد حروف الضباب؟
** الكثير من المشاريع السردية تنتظر توفر الزمن النفسي لكتابتها، فالعمل الصحفي اليومي لم يستنفد طاقتي لكنه جعلني في حالة انتظار طويلة،وأنا الآن بصدد الاشتغال على أحد تلك المشاريع وقد انتهي منه بعد سنة أو أكثر من ذلك قليلا أو كثيرا، إضافة إلى مشاريع أخرى في القصة القصيرة والمقالة الأدبية وأدب الرحلة التي سيصدر في حينها.
* بماذا تحب أن نختم الحوار، قل ما تشاء؟
** ماذا أقول؟..هل نحن في النهاية؟، إننا في البداية وأنا لا أحب النهايات، شكرا لك نوّارة على هذه الفسحة، ودمتِ محاورة جيدة في زمن "المونولوج" هذا.
أجري الحوار أواخر سنة 2008
حاوره/ أحمد الجمَّال
الأديب الجزائري عز الدين جلاوجي «رئيس رابطة القلم» الذي أثرى المكتبة الإبداعية العربية بأكثر من 25 كتاباً في الرواية والمسرحية والقصة والدراسة النقدية، ولعل أبرز أعماله: «سرادق الحلم والفجيعة»، «راس المحنة»، «البحث عن الشمس»، «الرماد الذي غسل الماء»، «الأقنعة المثقوبة»، «رحلة البنات إلى النار»... وغيرها.
كيف ساعدت سنوات النشأة الأولى في صقل موهبتك الإبداعية؟
تدرجت في حقل عبق بشذى الإبداع البريء، كان أول ينابيعه جدي لأمي الذي كان شلالاً للحكايا الشعبية، وكنت مدللاً لديه لا يفوت فرصة إلا وسقاني من هذا السلسبيل، ثم رشفت القرآن الكريم على يد والدي الكريم الذي غرس في نفسي عشق العربية والهيام بعبقريتها. بعد ذلك نهلت من مقاعد الدراسة السرديات العربية تراثاً ومعاصرة، إضافة إلى الثقافة الغربية. ذلك كله كان له أثر كبير في بناء قدراتي السردية.
ماذا تعني الكتابة بالنسبة إليك؟
أن تكتب فأنت في أرقى مصاف الإنسانية، إنك تعبر عن إنسانيتك وتبشر بقيم الخير والجمال.
ما هي منطلقاتك العامة في الكتابة؟
أعيش حيرة واضطراباً وأنا أتلمس دروباً وعرة للقبض على حلمي الخاص في بناء عالمي السردي الخالص. أؤمن عميقاً بأن الأدب الخالد هو ما يهدهد فرح الإنسان وبكاءه، صراعه وأحلامه الداعية إلى قيم الخير والفضيلة، شرط أن يرتقي الكاتب إلى معراج الجمال الذي تشكل اللغة المتلألئة جوهرته المتفردة، ويشكل معها العقد كاملاً جماليات أخرى كثيرة... الكتابة حلم جميل للأديب والمتلقي معاً، وأي أدب لا يحقق ذلك فهو أدب ميت.
الحكي الغرائبي كما في روايتك الأولى «سرادق الحلم والفجيعة»، هل هو سمة عامة في إبداعك؟
لا أستقر على تجربة واحدة وأكره أن تكون كتاباتي نسخاً متشابهة بغباء كالأوراق النقدية، فالحياة لا تتكرر وعلى الأديب أن يكون أرقى من الحياة نفسها. فعلاً يلمس المتلقي غرائبية مطلقة في «سرادق الحلم والفجي عة» على مستوى الشخصيات أو المكان أو الزمان وحتى اللغة وهندسة النص، فهذه الرواية ثورة على المستويات الأدبية كافة غير أن النخبة وحدها هي من تفاعلت معها، ولعل مجموعتي القصصية «صهيل الحيرة»، تتلمس الدرب نفسه، لكنني لا أزعم أن بقية نصوصي كذلك، وإن كانت المسرحية منها تعانق الرمز وتلبسه، خصوصاً «البحث عن الشمس» و{النخلة» و{سلطان المدينة».
يتنوع إنتاجك الأدبي بين القصة والرواية وأدب الطفل والمسرح... إلى أي حد أفادك هذا التنوع على مستوى الكتابة؟
تعرف أن الحدود بين الأجناس الأدبية مُحيت. لست أحد الداعين إلى كتابة نص هجين لقيط لا أصول له، بل إلى تناص الأجناس الإبداعية، وعلى رغم أنني أحمل نفسي لأخلص للرواية غير أن نبض الأجناس الأخرى يقهرني أحياناً، ولا أملك إلا الاستجابة له.
كيف ترى العلاقة الأدبية بين مبدعي المشرق والمغرب العربيين؟ وما سر عدم تواصلهم بشكل كافٍ من وجهة نظرك؟
الجريرة الكبرى في عدم وصول كتابات المغاربة عموماً إلى ا لمشرق مما جعلهم نكرة، على رغم وجود طاقات إبداعية عظيمة في هذه الدول كافة. وقد وجدنا كتاباً يتحولون إلى الفرنسة لأنها تأشيرة الذيوع الأسهل، ويتحمل وزر ذلك المسؤولون الذين لم يخططوا لتحقيق انتشار الأديب تاركين العبء عليه وحده كأنه ليس استثماراً مهماً. كذلك تتحمل المسؤولية دور النشر التي نسيت دورها الطلائعي وحصرت همها في ملء الجيوب والبطون بجشع كبير. أما كتابات المشارقة فتشرق علينا وننعم بدفئها، فيما التواصل قائم ولو بجهود فردية نرجو أن تتعمق، ويُنفق على الإبداع، ما يبذر في تفاهات وفقاعات.
ما أبرز ما حققته في «رابطة أهل القلم» وأنت رئيسها، وماذا عن خطتك المستقبلية في هذا الشأن، وهل ثمة وقوف إلى جانب التجارب والمواهب الشابة؟
حققت الكثير على رغم جهودنا الفردية. أسسنا ملتقى عربياً في الرواية رسا على طبعته السادسة، ونشرنا عشرات الكتب معظمها لتجارب يانعة، ومما قدمت أخيراً ديوان الشاعرة حنين عمر «حنين الغجر»، والشاعرة خالدية جاب الله «للحزن ملائكة تحرسه»، والشاعر عبد المالك سعيدي «سفر إلى مملكة المستحيل»، ونحضر لطبع عشرات الأعمال الإبداعية والنقدية ومستعدون إن وجدنا دعماً أن نقدم أكثر وأكثر، بل ونحلم بإصدار مجلة إبداعية تحمل صوت المبدع الجزائري والمغاربي إلى العرب كلهم.
كيف ترى المشهد الإبداعي العربي عموماً وما أبرز العقبات التي تقف أمام المبدع العربي اليوم؟
المشهد الإبداعي العربي باهت ومريض، وقد تطاول الأقزام وقادوا السفينة. أرى المدّعون في كل وطن عربي ويقدمون أنفسهم على أنهم مبدعون وأدباء، ويحظى البعض منهم بحضور إعلامي كبير، ومنشورات في دول عربية محترمة على رغم أن لسانهم لا يستقيم على سطر واحد سليم من الأخطاء، وأن تتجرع الحنضل أو تأكل شوك القتاد أحلى لك من أن تسمعه.
تحدثت كثيراً إلى إخواني الأدباء في الوطن العربي فاشتكوا لي من الجرح نفسه ومن الألم عينه، والإعلام يتحمل وزر التصفيق والهتاف للطبقات الدنيا من المبدعين وتجاهل الفرسان الحقيقيين.
كيف تعامل النقاد مع تجربتك نقدياً منذ الإصدار الأول وحتى الآن. وهل أنت راض عن الحركة النقدية في الجزائر عمو ماً؟
أعتقد أنني محظوظ من هذه الناحية، إذ قُدمت عن أعمالي لا سيما الروائية منها عشرات الدراسات النقدية والبحوث والرسائل الجامعية، بل وصدرت كتب عن تجربتي، آخرها «سلطان النص» الذي ضم مقالات عن روايتي في 520 صفحة، بأقلام نقاد جزائريين وعرب من المغرب ومصر والأردن وغيرها من دول عربية.
عموماً، الحركة النقدية في الجزائر قوية وجامعاتنا الكثيرة تزخر بمخابر نقدية مهمة، لكن ما ينقصنا مجلة ذات قيمة علمية توزع عربياً وتكون منبراً لهذه الأقلام حتى يسهموا في التعريف بجهودنا الإبداعية، وحتى لا يفر الصوت الجزائري المبدع إلى رحاب مجلات عربية أخرى كثيرة، إلى درجة أنه صار مهيمناً على بعضها.
يقولون إن ثمة جيلاً جديداً من أدباء يمكن تسميتهم بجيل أدباء الـ{فيسبوك»، كيف ترى ذلك؟ وماذا أتاح هذا الموقع الإلكتروني للأدباء العرب في الآونة الأخيرة؟
لهذا «البعبع» مزاياه وسلبياته. أحييه بعمق لأنه كسر بيننا الحدود والمخافر وأخرس الكلاب التي تكشر فينا وفي إبداعاتنا عند كل مركز حدود، وبفضله تعرفت إلى عشرات الكتاب والأدباء بل والقراء الذي عرفوا كتاباتي وقرأوها من اليمن حتى المغرب الشقيق. أما سلبياته فتتمثل في أنه يمتص منا وقتنا ويصير أحياناً ضرة للإبداع، بل ويسمح للمدّعين الذين رفضتهم المنابر الإبداعية بتقديم أنفسهم على أنهم رسل الكتابة.
بماذا يحلم عز الدين جلاوجي؟
بأن تخلص الحياة لي وتسمح لي بكتابة الأجمل والأرقى، لأكون خادماً لها... خادماً لأبنائها أزرع في ربوع قلوبهم الحب والخير والجمال، وأجتث منها الأنانية والحقد والتعصب
الأديب الجزائري عز الدين جلاوجي «رئيس رابطة القلم» الذي أثرى المكتبة الإبداعية العربية بأكثر من 25 كتاباً في الرواية والمسرحية والقصة والدراسة النقدية، ولعل أبرز أعماله: «سرادق الحلم والفجيعة»، «راس المحنة»، «البحث عن الشمس»، «الرماد الذي غسل الماء»، «الأقنعة المثقوبة»، «رحلة البنات إلى النار»... وغيرها.
كيف ساعدت سنوات النشأة الأولى في صقل موهبتك الإبداعية؟
تدرجت في حقل عبق بشذى الإبداع البريء، كان أول ينابيعه جدي لأمي الذي كان شلالاً للحكايا الشعبية، وكنت مدللاً لديه لا يفوت فرصة إلا وسقاني من هذا السلسبيل، ثم رشفت القرآن الكريم على يد والدي الكريم الذي غرس في نفسي عشق العربية والهيام بعبقريتها. بعد ذلك نهلت من مقاعد الدراسة السرديات العربية تراثاً ومعاصرة، إضافة إلى الثقافة الغربية. ذلك كله كان له أثر كبير في بناء قدراتي السردية.
ماذا تعني الكتابة بالنسبة إليك؟
أن تكتب فأنت في أرقى مصاف الإنسانية، إنك تعبر عن إنسانيتك وتبشر بقيم الخير والجمال.
ما هي منطلقاتك العامة في الكتابة؟
أعيش حيرة واضطراباً وأنا أتلمس دروباً وعرة للقبض على حلمي الخاص في بناء عالمي السردي الخالص. أؤمن عميقاً بأن الأدب الخالد هو ما يهدهد فرح الإنسان وبكاءه، صراعه وأحلامه الداعية إلى قيم الخير والفضيلة، شرط أن يرتقي الكاتب إلى معراج الجمال الذي تشكل اللغة المتلألئة جوهرته المتفردة، ويشكل معها العقد كاملاً جماليات أخرى كثيرة... الكتابة حلم جميل للأديب والمتلقي معاً، وأي أدب لا يحقق ذلك فهو أدب ميت.
الحكي الغرائبي كما في روايتك الأولى «سرادق الحلم والفجيعة»، هل هو سمة عامة في إبداعك؟
لا أستقر على تجربة واحدة وأكره أن تكون كتاباتي نسخاً متشابهة بغباء كالأوراق النقدية، فالحياة لا تتكرر وعلى الأديب أن يكون أرقى من الحياة نفسها. فعلاً يلمس المتلقي غرائبية مطلقة في «سرادق الحلم والفجي عة» على مستوى الشخصيات أو المكان أو الزمان وحتى اللغة وهندسة النص، فهذه الرواية ثورة على المستويات الأدبية كافة غير أن النخبة وحدها هي من تفاعلت معها، ولعل مجموعتي القصصية «صهيل الحيرة»، تتلمس الدرب نفسه، لكنني لا أزعم أن بقية نصوصي كذلك، وإن كانت المسرحية منها تعانق الرمز وتلبسه، خصوصاً «البحث عن الشمس» و{النخلة» و{سلطان المدينة».
يتنوع إنتاجك الأدبي بين القصة والرواية وأدب الطفل والمسرح... إلى أي حد أفادك هذا التنوع على مستوى الكتابة؟
تعرف أن الحدود بين الأجناس الأدبية مُحيت. لست أحد الداعين إلى كتابة نص هجين لقيط لا أصول له، بل إلى تناص الأجناس الإبداعية، وعلى رغم أنني أحمل نفسي لأخلص للرواية غير أن نبض الأجناس الأخرى يقهرني أحياناً، ولا أملك إلا الاستجابة له.
كيف ترى العلاقة الأدبية بين مبدعي المشرق والمغرب العربيين؟ وما سر عدم تواصلهم بشكل كافٍ من وجهة نظرك؟
الجريرة الكبرى في عدم وصول كتابات المغاربة عموماً إلى ا لمشرق مما جعلهم نكرة، على رغم وجود طاقات إبداعية عظيمة في هذه الدول كافة. وقد وجدنا كتاباً يتحولون إلى الفرنسة لأنها تأشيرة الذيوع الأسهل، ويتحمل وزر ذلك المسؤولون الذين لم يخططوا لتحقيق انتشار الأديب تاركين العبء عليه وحده كأنه ليس استثماراً مهماً. كذلك تتحمل المسؤولية دور النشر التي نسيت دورها الطلائعي وحصرت همها في ملء الجيوب والبطون بجشع كبير. أما كتابات المشارقة فتشرق علينا وننعم بدفئها، فيما التواصل قائم ولو بجهود فردية نرجو أن تتعمق، ويُنفق على الإبداع، ما يبذر في تفاهات وفقاعات.
ما أبرز ما حققته في «رابطة أهل القلم» وأنت رئيسها، وماذا عن خطتك المستقبلية في هذا الشأن، وهل ثمة وقوف إلى جانب التجارب والمواهب الشابة؟
حققت الكثير على رغم جهودنا الفردية. أسسنا ملتقى عربياً في الرواية رسا على طبعته السادسة، ونشرنا عشرات الكتب معظمها لتجارب يانعة، ومما قدمت أخيراً ديوان الشاعرة حنين عمر «حنين الغجر»، والشاعرة خالدية جاب الله «للحزن ملائكة تحرسه»، والشاعر عبد المالك سعيدي «سفر إلى مملكة المستحيل»، ونحضر لطبع عشرات الأعمال الإبداعية والنقدية ومستعدون إن وجدنا دعماً أن نقدم أكثر وأكثر، بل ونحلم بإصدار مجلة إبداعية تحمل صوت المبدع الجزائري والمغاربي إلى العرب كلهم.
كيف ترى المشهد الإبداعي العربي عموماً وما أبرز العقبات التي تقف أمام المبدع العربي اليوم؟
المشهد الإبداعي العربي باهت ومريض، وقد تطاول الأقزام وقادوا السفينة. أرى المدّعون في كل وطن عربي ويقدمون أنفسهم على أنهم مبدعون وأدباء، ويحظى البعض منهم بحضور إعلامي كبير، ومنشورات في دول عربية محترمة على رغم أن لسانهم لا يستقيم على سطر واحد سليم من الأخطاء، وأن تتجرع الحنضل أو تأكل شوك القتاد أحلى لك من أن تسمعه.
تحدثت كثيراً إلى إخواني الأدباء في الوطن العربي فاشتكوا لي من الجرح نفسه ومن الألم عينه، والإعلام يتحمل وزر التصفيق والهتاف للطبقات الدنيا من المبدعين وتجاهل الفرسان الحقيقيين.
كيف تعامل النقاد مع تجربتك نقدياً منذ الإصدار الأول وحتى الآن. وهل أنت راض عن الحركة النقدية في الجزائر عمو ماً؟
أعتقد أنني محظوظ من هذه الناحية، إذ قُدمت عن أعمالي لا سيما الروائية منها عشرات الدراسات النقدية والبحوث والرسائل الجامعية، بل وصدرت كتب عن تجربتي، آخرها «سلطان النص» الذي ضم مقالات عن روايتي في 520 صفحة، بأقلام نقاد جزائريين وعرب من المغرب ومصر والأردن وغيرها من دول عربية.
عموماً، الحركة النقدية في الجزائر قوية وجامعاتنا الكثيرة تزخر بمخابر نقدية مهمة، لكن ما ينقصنا مجلة ذات قيمة علمية توزع عربياً وتكون منبراً لهذه الأقلام حتى يسهموا في التعريف بجهودنا الإبداعية، وحتى لا يفر الصوت الجزائري المبدع إلى رحاب مجلات عربية أخرى كثيرة، إلى درجة أنه صار مهيمناً على بعضها.
يقولون إن ثمة جيلاً جديداً من أدباء يمكن تسميتهم بجيل أدباء الـ{فيسبوك»، كيف ترى ذلك؟ وماذا أتاح هذا الموقع الإلكتروني للأدباء العرب في الآونة الأخيرة؟
لهذا «البعبع» مزاياه وسلبياته. أحييه بعمق لأنه كسر بيننا الحدود والمخافر وأخرس الكلاب التي تكشر فينا وفي إبداعاتنا عند كل مركز حدود، وبفضله تعرفت إلى عشرات الكتاب والأدباء بل والقراء الذي عرفوا كتاباتي وقرأوها من اليمن حتى المغرب الشقيق. أما سلبياته فتتمثل في أنه يمتص منا وقتنا ويصير أحياناً ضرة للإبداع، بل ويسمح للمدّعين الذين رفضتهم المنابر الإبداعية بتقديم أنفسهم على أنهم رسل الكتابة.
بماذا يحلم عز الدين جلاوجي؟
بأن تخلص الحياة لي وتسمح لي بكتابة الأجمل والأرقى، لأكون خادماً لها... خادماً لأبنائها أزرع في ربوع قلوبهم الحب والخير والجمال، وأجتث منها الأنانية والحقد والتعصب



