الرمز الصوفي في الشعر الجزائري المعاصر وآليات التأويل، بقلم/ د- هيمة عبد الحميد
- الرمز الصوفي والتأويل:
"يرى (تودوروف) أن الفرق الأساس بين الخطاب والرمز لا يكمن في الطابع اللغوي، وإنما يبرز من كون المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي يوجدان معًا في الخطاب، بينما لا يوجد سوى أحدهما في الاستثارة الرمزية (Evocation symbolique)، ومن ثمة فالمتلقي يفهم الخطاب غير أنه يقوم بتأويل الرموز"(1).
وهذه الصلة بين الرمزية والتأويل هي التي تحتم على كل قارئ للشعر الصوفي أن يتوسل في الاقتراب منه منهج التأويل، "ويغدو الرمزي مدخلاً مركزيًا للضرورة التأويلية عبر فعل التلقي نفسه ... غير أن هذه الضرورة التأويلية ليس يحددها الإنتاج النصي وحده، وإنما تنبع أيضًا من رغبة المتلقي وإرادته، إن التأويل الرمزي يغدو استراتيجيةً تأويلية منطلقها المتلقي وموقعها النص"(2).
من هنا يفرض التأويل نفسه أداةً لقراءة الشعر الصوفي (الرمزي)، ويصبح بديلاً للتفسير الذي هو –كما يقول السيوطي-: "من الفسر وهو البيان والكشف، ويقال هو مقلوب السفرُ، تقول أسفرَ الصبح إذا أضاء، وقيل هو مأخوذ من التفْسِرة، وهي اسم لما يعرف الطبيب به المريض [أما التأويل] أصله من الأول، وهو الرجوع فكأنه صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني، وقيل من الإيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى في موضعه"(3).
التأويل إذن ذو منحى تأصيلي (إرجاع المعنى إلى أصله) وهو ما ينطبق على القراءة الصوفية التي تتجسد من خلال صرف الظاهر واعتماد الباطن لفهم النصوص وفق دلالتها الأصلية. وفي هذا المضمار يقول نصر حامد أبو زيد: "إذا كانت كلمة تأويل تعني الرجوع إلى الأصل، وتعني أيضا الوصول إلى الغاية والعاقبة، فإن الذي يجمع بين الدلالتين هو دلالة الصيغة الصرفية (تفعيل) على الحركة، وهي دلالة أغفلها اللغويون في تحليلهم المعجمي، لذلك يمكن القول إن التأويل حركة بالشيء أو الظاهر إما باتجاه (الأصل) أو في اتجاه (الغاية) و(العاقبة) بالرعاية السياسية، لكن هذه الحركة ليست مادية بل هي حركة ذهنية عقلية في إدراك الظواهر"(4).
يتخذ التأويل إذن مشروعيته في الشعر الصوفي انطلاقًا من أنه يتخذ شكلين: ظاهري وباطني، وهذا يفرض علينا تبني التأويل للكشف عن هذا المعنى الباطني، ويغدو التأويل فعلاً شاملاً يستعين بمختلف المعطيات اللغوية والفكرية للكشف عن دلالة النص.
ويميز الدكتور (محمد عابد الجابري) بين عدة ضروب من القراءة يهمنا منها الضرب الأخير الذي يسميه (القراءة التأويلية) أو القراءة ذات البعدين، وهي قراءة تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلاً، فلا تتوقف عند حدود التلقي المباشر، بل تريد أن تساهم بوعيٍ في إنتاج وجهة النظر التي يحملها أو يتحملها الخطاب(5)، فالمتلقي إذن ينبغي له أن يستضيف النص، ويعقد معه صلاةٍ حميمة ليتعاونا معًا على إنجاز مهمة الفهم والتأويل، ويعني هذا أن المتلقي لا يدخل عالم النص مجردًا من النوايا، وإنما يدخله مزودًا بأفكاره ونواياه الخاصة، وبذلك يستطيع فهم النص "أحسن مما فهمه مؤلفه"(6)، وهذا يعني أن العلاقة بين القارئ والنص لا تسير في اتجاه واحد فقط، وإنما هي علاقة تسير في اتجاهين متبادلين (من القارئ إلى النص) و(من النص إلى القارئ).
- حضور الرمز الصوفي في الشعرالجزائري المعاصر
للتمثيل علىحضور الرمز الصوفي في الشعر الجزائري المعاصر نأخذ هذه النماذج التطبيقية، ولنبدأ بديوان "الوهج العذري" للشاعر الجزائري (ياسين بن عبيد).
- البنية التركيبية لعنوان الديوان: الوهج العذري مركب من عنصرين، مسند ومسند إليه (اسم + صفة) معرفين.
الوهج: لفظة تحمل دلالة العنف والقوة وشدة الشيء (شدة الاشتعال)، شدة الحب أي توهج الحب.
العذري: تعني العفة والصفاء والنقاء والطهر.
فالوهج إذن يوحي بانبجاس شيء ما ألا وهو الحب ثم انفجاره عند بلوغه أقصى درجاته، ولعل ذلك سبب استخدام الشاعر للون الأحمر في كتابة لفظ العنوان للدلالة على معنى الاشتعال.
إن حب الشاعر حب خفي تراكم إلى أن بلغ الذروة فانفجر مشتعلاً متوهجًا، وهذا الحب المتوهج هو حب طاهر نقي عفيف خال من كل الشوائب المادية، والأغراض الحسية وتلتقي العناوين الفرعية مع العنوان الرئيسي لتأكد عذرية هذا الحب ثم لتبرز مرجعية الكثير من عناوين القصائد، وهي مرجعية صوفية واضحة مثل: تراتيل المشكاة الخضراء ... فقد يكون النص خال بشكل تام من أية دوال صوفية على مستوى اللغة، إلا أن العنوان الذي يحمل بعدًا صوفيًا يجعل النص يتصوف، فيصبح يحمل دلالة صوفية.
فالعناوين بمثابة مفاتيح أساسية تساعدنا في ولوج أغوار النص العميقة، وكشف دلالته المختزنة، ولعل هذا ما أبرزته بوضوح الدراسات السيميائية الحديثة التي ترى أن "العناوين عبارة عن علامات سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص، كما تؤدي وظيفة تناصية إذا كان العنوان يحيل على نص خارجي ...، ويمكن تشغيل العناوين علامات مزدوجة حيث أنها في هذه الحالة تحتوي القصيدة التي تتوجها، وفي الوقت نفسه تحيل على نص آخر"(7).
وهنا نجد أن عناوين القصائد تحتوي النصوص، وفي الوقت ذاته تكشف عن المرجعية الصوفية لهذه العناوين، يقول الشاعر في قصيدة "عروس الكآبة":
أعيدي حديث الأمس ملهمتي الوجدي أعيـدي بقايـاه سأقـرأها وردا
أعيدي ولا تـأني .. حديثك بلسـم من المعضل المـزري بروعتنا أودي
على صدرك الأمنى زرعـت توجـعي وفي سره كأسي..ودفئي..فلا بردا(8)
في هذه القصيدة يستلهم الشاعر لغة الغزل العذري وأجواءه الخاصة، متدرجا في ذكر صفات المحبوب من الحسية إلى التجريد، فقد بدأت القصيدة بذكر الصفات الحسية لتنتهي إلى الحب الروحي، وأغلب الظن أن شعراء الصوفية –كما يرى زكي مبارك- "ابتدأوا حياتهم بالحب الحسي، ثم ترقوا إلى الحب الروحي"(9).
وهكذا نجد ياسين بن عبيد يخاطبنا في شعره بلغة الحب الحسي تارة، والعذري تارة أخرى، وهذا الحب الإنساني يجعله الشاعر معبرًا للوصول إلى الحب الإلهي؛ كما هي الحال في قصائد "يوم بانت سعاد"، و"حبين كنا" حيث يرسم الشاعر في هاتين القصيدتين خريطة هجرات الروح الإنسانية باتجاه النور، والفيض الإلهي. والملاحظ في تجربة ياسين بن عبيد الشعرية أنها تنزع أكثر إلى استلهام رموز الحب العذري، أو ما أسميناه في العنوان السابق بلغة الشوق والحنين، ولذلك نقرأ في شعر(بن عبيد) نزوعًا دائما إلى الموت والفناء في المحبوب.
أنا في عُيونِـك .. ذُبْـت أسِيرُ .. أسيرا .. ولازلت سائرْ
نشرتُ ظِلالي هناك كطفلِِ على شفتيهِ .. إليـكِ يسافِـرْ
ولملمت شملي بلا موعـد إلى قبلتيك بحبـي أهاجِـرْ(10)
في هذا النص تغدو المرأة رمزا للذات العلوية التي يذوب الشاعر فيها ويهاجر إليها بكل مشاعره وأحاسيسه، وهنا يتم تصعيد المظهر الفيزيائي الأنثوي إلى أعلى مستويات الروحانية الصوفية، وهذا يبرز لنا القيم الروحية التي يطرحها النص الشعري الصوفي الجديد ويبرز كذلك علاقة الذات الإنسانية بحقائق الوجود الإلهية، أو العلاقة بين واقع الذات الإنسانية، ورؤاها الروحانية، وهي علاقة قائمة على التنافر، والتضاد مما يعزز الثورة على الواقع، وتجاوزه إلى عالم الأحلام والرؤى.
وفي الديوان الثاني "معلقات على أستار الروح" نلمس وجود السمة الصوفية بشكل واضح، وقد أشار إلى ذلك الشاعر اللبناني (محمد علي شمس الدين) في مقدمة الديوان حيث يقول: "فمفردات الوجد الصوفي، من الخفاء والتجلي، والحب والمرض في الحب، والطريق والسالك، والروح وغصون الروح، والنار والليل والمجاذيب، والتيه وجمر التوجس، والجمر الأخضر، وليلى والتجريد والتوحد .. كل ذلك وسواه هو عدة الشاعر في قصائده، وهي قصائد غزل بل قصائد حب، ربما ذكرتنا ببعض غزل ابن الفارض"(11). يقول ياسين بن عبيد في قصيدة "عائد .. من سفر التلوين":
سافـر أنت يا نـدى مقلتـيا أنا وحدي على نـداك دليلُ
لاح لي في دجـاي نجـم بعيد وطريقي وما انطلقت طويلُ
لست أدري وها قريب صداها ممكنٌ لي الوصل أم مستحيلُ(12)
القصيدة حافلة بالدوال التي ترمز للمرأة مثل: "المقلتين، الصدى، الوصل" ولكن المرأة في هذا النص تتخلى عن صورتها المادية لتتحول إلى رمز روحي شفاف يحيلنا على العشق الصوفي الذي يحير لب الشاعر، ويعمق مأساته في إمكانية الوصال من عدمه بالمحبوب الذي يستعير له أسماء شخصيات الغزل العذري، وعلى رأسهم شخصية (ليلى) التي تحظى بمركز هام في تجارب الشعر الصوفي المغاربي، كما في قصيدة "أنا في هواها جملة" لياسين بن عبيد:
لليلى شعارٌ في الهـوى أم تـردّدُ ونار ليلـى في الرؤى أم تنهَّدُ
عيوني أرانيها الهوى جـزُرًا نأتْ ولكنها ليلـى بها تتـسَّهـدُّ
على الموج جاءت من نواد أحبُّها لها الجرح ممشى والشراعُ ممدَّدُ
وبيني وبين النور ليلـى محيلـةً على شجـر يدني إليه التوحُّدُ
أنا في هواها جملـة غيرُ واحـد أنا في هواها واحـد يتعـدّدُ(13)
وقصيدة "شعار آخر هارب إلى الأندلس":
ليلى شعاري إذا أحببتُ لا النُّجب لم تُبلِ عهدي بها الأحداثُ والحِقبُ
سِرِّي إذا علمَتْ سري وساورها منه ارتيـابٌ .. هـواها كلُّهُ تعبُ
يا أيها الجسد الممحُـوُّ صورتُـه إذا تراءتْ فمنْ رعشاتِـه السحبُ
تهمي وتمطـر آهـاتٍ وداليـةٍ مضفـورةً عنبا ما شكلُـه عنـبُ
... تغتالنـي بتثنيـها إذا ابتعـدت تغتالـني بالتثـني حـين تقتـربُ
وطاولت كل نخلِ الأرضِ ضاوية منها الجوانبُ والأفـلاك والشهبُ
... ليلى .. ويجرحني عطر على أثـر منها يـدل عليها حـين تحتجبُ
... كيف التسلي ومن حولي مواقفها على الدوام وفي سـري لها سببُ(14)
وعند تأمل هذين النصين نلاحظ مدى تداخلهما مع شعر قيس بن الملوح، خاصة من خلال استدعاء شخصية ليلى، والتي ترمز هنا للمحبوب الواحد الأحد.
والشاعر في استدعائه لتجربة (قيس وليلى) لا يقف عند حدودها المعروفة، بل يعطيها أبعادًا جديدة، ويضفي عليها رؤية صوفية، ولذلك يمكن القول إن التناص في هذه النصوص تناص واع، فالشاعر لا يكرر النص الغائب بدلالته التاريخية الدالة على الحب الإنساني بل ينفلت من براثن الجسد، ليدل على الحب الإلهي للنص إذن بعدان:
- بعد ظاهري: مصرح به ولكنه غير مقصود: الحب الإنساني.
- بعد باطني: خفي وهو المقصود: الحب المقدس.
وهذه الرؤية المقدسة للحب تصعد تجربة الحب لتشمل الإنسان والكون، بمعنى آخر هناك تصعيد للحب الإنساني إلى مستوى الحب الإلهي (الفردوس المنشود)، وسعي إلى طرح قيم روحية جديدة، تعتمد مبدأ المواءمة بين واقع الذات الإنسانية، ورؤاها الروحية من أجل خلق عالم جديد منسجم، ولذلك نجد أن الصوفي يبحث دائما عن التشاكل بين عناصر الوجود، بين الجامع والفارق (الحاضر والغائب)، ونتيجة ذلك نفي التناقض الظاهر بين الأشياء انطلاقا من وحدة الوجود؛ لأن الصوفية تنزع إلى استبطان حقائق الوجود والنفس رغبة في معرفة الأشياء من الداخل على حقيقتها لا كما تبدو من الخارج(15)، يقول الرمزيون: "إن الشاعر يستطيع أن يعبر عن العالم الداخلي من خلال العالم الخارجي، أي من خلال المادة، ولكنها ليست المادة الحسية، ولا العقلية، ولا العلمية، وإنما هي المادة الروحانية ... المادة التي ألممنا بها قبلا، والتي ينبغي أن يكون الفنان قد استنبطها وولج إلى أحشائها، وأقام في قلبها بعد أن فض غلافها الخارجي الزائف، ونفذ إلى الحقائق المستترة في قلبها"(16).
هذا بالنسبة للرمزية، أما الصوفية فقد سعت إلى ما هو أعمق، فهي لم تكتفي بالتأمل الباطني لحقائق الوجود، وإنما سعت إلى الاندماج، والتوحد معها من خلال التجربة الحقيقية التي يعيشها الشاعر ويحترق بلهيبها.
ولا نغادر (ياسين بن عبيد) حتى نشير إلى ديوانه الثالث "أهديك أحزاني"، والذي يكثر فيه توظيف رمز المرأة للدلالة على الحب الإلهي، ولعل عنوان الديوان يوحي بأن الخطاب موجه للمرأة يبثها الشاعر أحزانه وآلامه، والمرء لا يبث أحزانه إلا لمن يملك القدرة على تغييرها، وتحويلها إلى أفراح ومسرات، يقول الشاعر في القصيدة الأولى "أغنية النار الخضراء":
يا صباها تنهـدّت نظـرتاها بكـلام كواحـةٍ في فـلاةٍ
غـنّ قالت وما عليك عتـاب وقـف العُمـر شادي المأساةِ
غني .. غني فـأنت شـهودي يا ذهـولاً على مشارف ذاتي
قلت للرمـش والبقايا شهـود أنت منفـاي أنت كل جهاتي
وانسحبنا إلى ضفـاف التلاشي ثم قلنـا: هنا بقـايا الحـياة!!
رُبَّ منـها جلالـة وشظايـا وزعتـني فما التقت أشتاتـي
هي (أدنى من الضمير إلى الوهـ م وأخفى من لائح الخطرات)(17)
ربة النور، قل لها كيف أنسـى كيف أخفي الهوى بحزن سمات
كيف أنسى وكنت آنست نارًا واصطلينا ونحـن واحـد ذاتِ
لا حلولٌ .. ولا اتحاد .. ولكن للهوى شرعة .. ولي سكراتي(18)
هذه القصيدة (فاتحة الديوان) تحاكي بشكل واضح لغة الشعراء العذريين، ولكن هذه المحاكاة لا تقوم على الاجترار، والتقليد السطحي، وإنما تقوم على ملامسة وجدان المتلقي ونقل المشاعر والأحاسيس.
القصيدة تضعنا منذ البدء في رحلة روحية تنطلق من حب المخلوق إلى حب الخالق فالمرأة حاضرة في القصيدة ولكن بشكل روحي رمزي يحيلنا على المحبة الإلهية، ولعل ذلك ما دعا الشاعر إلى تضمين القصيدة بعض المقاطع من شعر الحلاج، كما في البيت السابع وذلك لمزيد من الإيحاء بالدلالة الصوفية للمرأة في سريتها الكاشفة.
إن انخراط الكتابة الصوفية عند ياسين بن عبيد في استدعاء الأنثوي، واستثماره في صياغة القصيدة الصوفية يدل على انخراط الشاعر في دين المحبة، والشوق للمحبوب، والمحبة شراب لا يرتوي منه صاحبه مهما شرب منه، ويضمن هذا السياق يأتي احتفال ياسين بن عبيد بالرمز الأنثوي.
هذا الرمز الذي يمارس في النص فعل الحجب، والكشف معًا، وهذه هي طبيعة الرمز الصوفي بشكل عام؛ إنه كالسحاب الذي يغطي الشمس لا ليخفيها، وإنما ليقلل شدتها حتى يمكن التحديق فيها دون أن تخشى الاحتراق.
فاللغة الصوفية لغة تجاوزية منفتحة على هاجسها الإلهي، والإلهي يحضر في كل شيء في المرأة، في مظاهر الطبيعة في عناصر الكون الفسيح، فالله في عرف الصوفية "أراد أن يرى صورة نفسه فخلق آدم على صورته، فكان كالمرآة له، وما الإنسان، وما العالم إلا تجلٍّ من تجليات الله، ما الحب إلا حب لله، فهو المعشوق الذي لا تدرك حقيقته إلا بحركة عشق تجاهه تتخذ من المناجاة وسيلة، ومن الخيال طريقة ومن الشعر ترجمانًا" (19).
والشاعر لا يسعى من وراء هذا الحب لتحقيق الاتصال الحسي، فهو حب روحي يتوجه من أسفل إلى أعلى (من الناسوت إلى اللاهوت)، أو من السطح إلى العمق (الارتداد إلى الذات) والتوحد مع المعشوق كما يقول الشاعر:
لا حلولٌ .. ولا اتحاد .. ولكن للهوى شرعة .. ولي سكراتي(20)
وهنا يبلغ الشاعر قمة التوهج والاشراق، والانفعال الداخلي حتى بصل درجة السكر والانتشاء بالمحبة الإلهية، ووصول الشاعر إلى هذه الحال يدل على قوة الانفعال، كما يدل على امتلاء قلبه بالحب الإلهي، وهنا يتوحد الشاعر مع عمق المرأة فيحيا فيها، بل يولد من خلالها ولادة جديدة، وهذه الولادة تعني تحقيق الوصال، وتحقيق السمو إلى الآفاق.
نحن إذن أمام تجليات روح منها يولد النص، ويتخلق، والشاعر عندما يحتفي بالمرأة فهو يحتفي بالمرأة / الرمز، المرأة / الروح، التي هي كون بشغل زمانًا لا نهاية له، ومكانًا لا حدود له، فالمرأة ليست جسدًا ميتًا بل هي روح متحركة تتجدد، وتتشكل باستمرار من خلال الأشياء المحيطة بها.
وهذا ما نجده في هذا الديوان، حيث لا يحضر رمز المرأة بصيغته الأساسية المعروفة (امرأة)، بل يأتي بصيغ أخرى، حيث يشير الشاعر إلى جملة من الصفات، والسمات الأنثوية الخاصة يتخذها رمزًا دالاً على المرأة.
- وسنقوم الآن بإحصاء نسبة حضور رمز المرأة في الديوان
عدد المرات
عنوان القصيدة
الرمز
مرة
أغنية النار الخضراء
عيني
//
//
صوتها
//
//
وشمها
//
//
وجهها
//
//
صبا
//
//
بريق
//
//
نظرتاها
//
//
الرمش
//
//
جلالة
//
//
ربة النور
//
//
سحرها
مرتان
قبلة على جبين القمر الأخضر
الرموش
//
//
العيون
//
في محراب الحزن أتلوك
عينيك
مرة
//
أحبيبتي
مرتان
كما يشتيها الموج
عينيك
مرة
على شفتي طائر من حنين
القلب
مرتان
//
عيناك
مرة
//
السحر
//
//
وجنتيك
مرة
على شفتي طائر من حنين
شفتي
//
الجسد الغيم
الهمس
//
//
لوزًا
//
//
قزحية
مرتان
//
ناظريها
مرة
//
سحر
//
//
هي المستحيل
//
//
هي الممكن
مرتان
أهديك أحزاني
عينيك
مرة
//
رقراقة الأصداء
//
//
همسة
//
//
وجدك
//
فارس في مملكة القيم
عيناك
//
//
جفناك
//
على صهوة الأنين
صباك المرمري
//
//
عينيك
//
//
مجلاك الصبوح
مرتان
//
هدبيك
مرة
//
أخت الفجر
خمسة عشر مرة
رباعيات اللوز والمرمر
اللوز
مرتان
//
عينان
مرة
//
وردة ماست
//
قالها وبه وجع من حنين
خدّها الفجر
//
//
همسها
//
//
الرموش
مرة
قالها وبه وجع من حنين
جنوبية العينين
//
//
قمر
مرتان
من مغربك الشروق
عيناك
//
//
أخت الفجر
//
//
شفاهك
مرة
//
ضفائرك
//
على ضوء القمر
الحسن
مرتان
//
لوزيا
مرة
//
عينيه
//
إني يقاتلني الغروب
ربة الحسن
ثلاث مرات
//
بحيرة العينين
مرة
//
يا ضوئية الأوضاح
//
//
صفائر ممراح
//
//
ثغرك الوضاح
//
//
صدر
//
//
غضارة
//
//
فجرك النضاح
//
//
عروس جراحي
//
تنهـدي
عينيك
//
//
أغرودة الروح
//
//
خصرها
//
ألقـاك
وجهك العلوي
//
أعاصير الروح
عيونها
من خلال هذا الجدول الإحصائي لحضور رمز المرأة في الديوان السابق، تبرز هذه الرموز على النحو الآتي:
1- العيون: هي أكثر الرموز حضورًا في القصيدة، فقد ورد أربعا وعشرين مرة، والعيون هي السمة الأنثوية البارزة.
2- اللوز: رمز خاص ورد في قصيدة (رباعيات اللوز والمرمر) خمسة عشر مرة ومرتين في قصيدتين أخريين، فيكون المجموع سبعة عشر مرة.
والمعلوم أن اللوز من الثمار التي تغلفها قشرة صلبة، وبذلك تتشاكل مع الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، والجسد هو بمثابة الغلاف / القشرة للروح، فإذا كسرنا القشرة حصلنا على لب الثمرة، والذي يماثل الروح عند المرأة، وكما أننا لا نحفل بالقشرة وإنما نحفل باللب فكذلك في التجربة الصوفية.
3- أنت الفجر: وما في معناه، ورد سبع مرات.
4- السحر: ورد هذا الرمز أربع مرات.
ثم تأتي بقية الرموز، وكما نرى فإن الشاعر في هذا الديوان لا يقف عند توظيف رمز المرأة باللفظ المألوف وإنما عمد إلى خلق رموز كثيرة، بعضها جديد قلما نجده عند غيره من الشعراء، مثل لفظ (اللوز) الذي ارتقى به إلى مستوى الرمز، فغدا يشي بالدلالات الصوفية شأنه شأن الرموز الصوفية المألوفة.
نحن أمام تجليات جسد، وتجليات روح، والشاعر يحتفي بالروح، بالجوهر (الكنز المخفي)، أو المعنى الباطن على حساب المعنى الظاهر السطحي، وهذا يتطابق مع الخصوصية التغييرية للتجربة الصوفية، والتي تشكل الواقع تشكيلاً جديدًا وفق منهج الهدم والبناء، أي هدم الظاهر، وبناء الباطن، وهذا ما يصرح به بن عبيد في قوله:
غـضًّـا تبـرّج وامتـدت مـواسمـه وأطيـب اللَّـوز ما عرَّاه ريعانُ
...ماكنت أروى بدون اللوز..هل شربتْ يمناي ضوءًا..وضوء اللوز معتقدي(21)
شاعر جزائري آخر تحضر المرأة في شعره بنسبة كبيرة تجاوز الثلث، إنه الشاعر (عثمان لوصيف) الذي يكشف شعره عن نزعة خاصة، فهو يعشق الجمال، ويذهل أمام الحسن البديع للمرأة التي تتحول في كتاباته إلى رمز مفعم بالدلالات:
المرأة: ترمز إلى Ü - الحزن والإحساس بالغربة
- القلق الوجودي
- الشوق إلى البدايات
- التوحد مع المطلق ...إلخ
يقول الشاعر في قصيدة "تلك صوفيتي":
تلك صوفيتي
أن أطالع في نور وجهك
سر الحياة
وسر الغوايات
أنا أتوضأ بالعشق في ظل عينيك(22)
يستوقفنا في هذا النص لفظ (العشق)، والذي يعني في المعجم الصوفي "إفراط المحبة أو المحبة المفرطة ...فإذا عمّ الحب الإنسان بجملته، وأعماه عن كل شيء سوى محبوبه، وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه، وقواه، وروحه، وجرت فيه مجرى الدم في عروقه، ولحمه وغمرت جميع مفاصله، فاتصلت بوجود، وعانقت جميع أجزائه جسمًا وروحًا، ولم يبق فيه متسع لغيره ...حينئذ يسمى ذلك الحب عشقا".(23)
"والمحبة اسم جامع لعدد من الصفات عند ابن عربي، ولذلك نراه يوحد الهوى والحب، والود والعشق، في عاطفة لها طبيعة واحدة تختلف بالصفات فتتغير عليها الأسماء".(24)
وهكذا يبدو لنا أن المحبة عاطفة واحدة، ولكنها تتطور، وفي كل مرحلة من تطورها تأخذ اسمًا خاصًا، فالعشق كما رأينا هو إفراط المحبة.
ولعل هذا هو الذي جعل عثمان لوصيف يستحضره في النص السابق للدلالة على عنف التجربة الصوفية لديه إلى حد أن الشاعر يتوضأ بالعشق، ليتطهر من أدران الواقع كما يتطهر المصلي بالماء الطهور، أي أنه يسمو عن الواقع المادي، ولذلك يغدو عشقه عشقًا روحيًا طاهرًا لا تشوبه الأغراض المادية، إنه حب جوهري أصيل، حب إلهي خالص يسعى إلى الارتقاء بالعاطفة والوجدان، ويغدو جمال المرأة رمزًا للجمال الإلهي المبثوث في كل عناصر الوجود؛ فتغيب المرأة /الأنثى، وتولد المرأة /الرمز التي تتقمص الوجود، وتغمر الكون.
جمالك يغمر كل الوجود
أحسك في روعة الفجر
أسمع صوتك بين النجوم
ألمس ريحك في كل زنبقة تتفتح(25)
إن الجمال الإلهي يغمر كل الوجود، والشاعر يحس به في كل مظاهر الكون؛ في الفجر، بين النجوم، وفي كل زنبقة تتفتح، وهذا تأكيد لوحدة الوجود التي قال بها ابن عربي،(26) والمرأة تجلي لهذا الوجود المطلق، بل هي أفضل مظاهر تجليه، و"أعظم الشهود وأكمله"(27) كما يرى ابن عربي، ولذلك يعشق الشاعر المرأة، ويعشق كل شيء جميل في الوجود.
تأسيسًا على ما تقدم يمكن القول: "إن المرأة بوصفها المحبوبة رمز الأنوثة الخالقة للرّحم الكونية، وهي بوصفها كذلك علة الوجود، ومكان الوجود، والعاشق لكي يحضر فيها يجب أن يغيب عن نفسه عن صفاته، يجب أن يزيل صفاته، لكي يُثْبت ذات حبيبته، وينوجِد بهذه الذّات"(28) وهنا ينفتح الرمز /المرأة على دلالات شتى:
- الدلالة الاصطلاحية: المرأة رمز Ü للحب الإلهي، والجمال الإلهي
- الدلالات الجديدة: المرأة ترمز Ü لـ: كل ما هو جوهري وأصيل في الحياة
السمو على الواقع
الحقيقة الخفية
الجوهر المفقود
وهكذا يصبح للمرأة بعد ظاهري محسوس (المرأة /الجسد)، وبعد باطني خفي يتوصل إليه بالقراءة التأويلية.
ويتخذ الرمز منحى تصاعديا من البعد المادي إلى البعد الروحي المفتوح على شتى الاحتمالات، وبذلك يخلق الشاعر المرأة خلقا جديدا عن طريق إفراغ المرأة من دلالتها المادية ثم شحنها بالدلالات الروحية الجديدة، وبذلك يؤول الرمز إلى طبيعته الأساسية، وهي التأليف بين الخاص والعام، بين السماوي والأرضي، بين المادي والروحي.
ولعل ما يميز توظيف عثمان لوصيف لرمز المرأة في شعره هو هذا المزج بين المرأة والطبيعة، وإسقاط الصفات الأنثوية على عناصر الطبيعة المختلفة، فروح المرأة حال في كل عناصر الوجود، كما أن الذات الإلهية حالة في الوجود، أو أن الشاعر قد فني بكليته في الجوهر الأنثوي، فأصبح لا يرى ذاته ولا يرى الواقع خارج هذا الجوهر، فقد تلون بلون المرأة واتشح بوشاحها، فحيثما تتوجه ببصرك فثمة وجه المرأة.
هذا الحضور للطبيعة يبدو وبشكل واضح في ديوان "ولعينيك هذا الفيض" و"اللؤلؤة"، ولعل ذلك يمثل مظهرًا من مظاهر وحدة الوجود، فالوجود واحد، وإن تعددت تجلياته، وما مظاهر الطبيعة المختلفة إلا تجليات للحق.
إن الشاعر في توظيفه لمظاهر الطبيعة(29) لا يقف موقفا سلبيا، بل يتفاعل معها يبحث عن الجوهر القابع بداخلها، عن روحها المستترة، هذه الروح التي تسري في الوجود، وفي عناصر الطبيعة، فتضم الكائنات جميعها في نسيج واحد متلاحم، ولكن النظرة المادية الروتينية جعلتنا لا ننتبه لها، ولا ندرك حضورها، ولكن الشاعر بحسه المرهف يستطيع أن يتغلغل بشعوره في صور الطبيعة وأشكالها المختلفة، وبذلك يولد رموزًا صوفية جديدة مصدرها الطبيعة بمظاهرها المختلفة الحية والجامدة.
وقضية توليد الرمز ليست بالأمر الهين، إذ أن الشاعر كي يستطيع أن يرتقي بعناصر الطبيعة إلى مستوى الرمز لا بد أن يعيش الحالة بامتلاء على مستوى الوجدان والروح، ومن خلال معانيها العميقة، فتتروحن مظاهر الطبيعة، وترق حتى تصل مستوى الرمز المتعدد الأبعاد الحافل بالدلالات، ولذلك قلنا سابقا إن صدق الإنسان المعاصر في علاقته مع الأشياء يجعله متصوفا، الصدق إذن هو معيار الإبداع، كن صادقا تكن فنانًا.
ومن علامات الصدق أن يرتبط الشاعر بماضيه وبتراثه، وهذا الارتباط بالتراث يظهر بجلاء عند الشاعر المغاربي الذي لا ينسى وهو يلج أبواب الماضي "أن هناك تراثًا شعريًا مترعًا بالرموز الصوفية التي تكهرب الأوصال، وتهز الوجدان وتدفع بالتالي إلى مزيد من الفعالية في مواجهة التفكك والانحلال والهبوط الروحي"(30)، ولم تكن هذه الثورة مجرد نزوة عابرة وإنما كانت "وليدة أزمة روحية وفكرية شكلت صدمة للواقع والإنسان، وحركت فيه بواعث الرغبة في التغيير، وتنقية الذات مما علق بها من شوائب"(31).
وقد عبرت الصوفية عن هذه الرغبة المتأججة على لسان (جلال الدين الرومي) الذي يقول: "إن الهواء الذي أنفخه في هذا الناي ليس هواء، وكل من ليست له هذه النار فليمت"(32).
الهوامش
(1) تودوروف، نقلاً عن فريد الزاهي، النص والجسد والتأويل، إفريقيا الشرق، المغرب 2003، ص 57.
(2) فريد الزاهي، النص والجسد والتأويل، ص 57.
(3) ينظر السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، المكتبة الثقافية، بيروت، ج2، 1973، ص 173.
(4) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، المركز الثقافي العربي، بيروت 1990، ص 230.
(5) ينظر محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت 1985، ص 09.
(6) نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل، ص 22.
(7) جميل حمداوي، "السيميوطيقا والعنونة"، مجلة عالم الفكر، الكويت، ع (3 مارس 1997) ص98، 99.
(8) ياسين بن عبيد، الوهج العذري، ص12.
(9) زكي مبارك، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ص248.
(10) ياسين بن عبيد، الوهج العذري، ص31.
(11) ينظر مقدمة ديوان ياسين بن عبيد، معلقات على أستار الروح، منشورات دار الكتب، الجزائر 2003، ص09.
(12) المصدر نفسه، ص24.
(13) المصدر نفسه، ص31.
(14) ياسين بن عبيد، ديوان معلقات على أستار الروح، ص32، 33.
(15) ينظر أمين يوسف عودة، تأويل الشعر وفلسفته عند الصوفية (ابن عربي)، منشورات رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، ط1، 1995، ص149.
(16) إيليا حاوي، الرمزية والسريالية في الشعر الغربي والعربي، ص12.
(17) البيت مقتبس من شعر الحلاج.
(18) ياسين بن عبيد، أهديك أحزاني، المطبوعات الجميلة، الجزائر 1998، ص13.
(19) محمد الكحلاوي، "الرمز والرمزية في النص الصوفي، ابن عربي نموذجًا"، مجلة الحياة الثقافية، تونس ،ع 75، ماي 1996، ص 28، 29.
(20) ياسين بن عبيد، أهديك أحزاني، ص13.
(21) ياسين بن عبيد، أهديك أحزاني، ص 58، 59.
(22) عثمان لوصيف، براءة، دار هومة، الجزائر 1997، ص44.
(23) سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، ص303.
(24) المرجع نفسه، ص302.
(25) عثمان لوصيف، براءة، ص44.
(26) وتعني "ظهور الحق في كل صورة ...فهو [تعالى] المتجلي في كل وجه، والمطلوب في كل آية، والمنظور إليه بكل عين، والمعبود في كل معبود، والمقصود في كل الغيب والشهود".
- ينظر سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، ص1151.
(27) ينظر ابن عربي، فصوص الحكم، (فص حكمة فردية في كلمة محمدية).
(28) أدونيس، الصوفية والسوريالية، ص 107.
(29) لم تكن رموز الطبيعة في الشعر الصوفي بمعزل عن رمز الجوهر الأنثوي، مما يهدي إلى أن الصوفية قد بسطوا شعرهم في المرأة وامتدوا بها في نسيج الأشياء بوصفها رمزا للفعل والانفعال، وتلويحا إلى قيمة استطيقية عالية.
- ينظر عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص306.
(30) ينظر مقدمة ديوان حسن الأمراني، ثلاثية الغيب والشهادة، منشورات المشكاة، المغرب 1989، ص 55.
(31) عبد القادر فيدوح، الرؤيا والتأويل، ص 64.
(32) ينظر محمد مصطفى هدارة، "النزعة الصوفية في الشعر العربي المعاصر"، مجلة فصول، ع4/ 1981، ص146.
- الرمز الصوفي والتأويل:
"يرى (تودوروف) أن الفرق الأساس بين الخطاب والرمز لا يكمن في الطابع اللغوي، وإنما يبرز من كون المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي يوجدان معًا في الخطاب، بينما لا يوجد سوى أحدهما في الاستثارة الرمزية (Evocation symbolique)، ومن ثمة فالمتلقي يفهم الخطاب غير أنه يقوم بتأويل الرموز"(1).
وهذه الصلة بين الرمزية والتأويل هي التي تحتم على كل قارئ للشعر الصوفي أن يتوسل في الاقتراب منه منهج التأويل، "ويغدو الرمزي مدخلاً مركزيًا للضرورة التأويلية عبر فعل التلقي نفسه ... غير أن هذه الضرورة التأويلية ليس يحددها الإنتاج النصي وحده، وإنما تنبع أيضًا من رغبة المتلقي وإرادته، إن التأويل الرمزي يغدو استراتيجيةً تأويلية منطلقها المتلقي وموقعها النص"(2).
من هنا يفرض التأويل نفسه أداةً لقراءة الشعر الصوفي (الرمزي)، ويصبح بديلاً للتفسير الذي هو –كما يقول السيوطي-: "من الفسر وهو البيان والكشف، ويقال هو مقلوب السفرُ، تقول أسفرَ الصبح إذا أضاء، وقيل هو مأخوذ من التفْسِرة، وهي اسم لما يعرف الطبيب به المريض [أما التأويل] أصله من الأول، وهو الرجوع فكأنه صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني، وقيل من الإيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى في موضعه"(3).
التأويل إذن ذو منحى تأصيلي (إرجاع المعنى إلى أصله) وهو ما ينطبق على القراءة الصوفية التي تتجسد من خلال صرف الظاهر واعتماد الباطن لفهم النصوص وفق دلالتها الأصلية. وفي هذا المضمار يقول نصر حامد أبو زيد: "إذا كانت كلمة تأويل تعني الرجوع إلى الأصل، وتعني أيضا الوصول إلى الغاية والعاقبة، فإن الذي يجمع بين الدلالتين هو دلالة الصيغة الصرفية (تفعيل) على الحركة، وهي دلالة أغفلها اللغويون في تحليلهم المعجمي، لذلك يمكن القول إن التأويل حركة بالشيء أو الظاهر إما باتجاه (الأصل) أو في اتجاه (الغاية) و(العاقبة) بالرعاية السياسية، لكن هذه الحركة ليست مادية بل هي حركة ذهنية عقلية في إدراك الظواهر"(4).
يتخذ التأويل إذن مشروعيته في الشعر الصوفي انطلاقًا من أنه يتخذ شكلين: ظاهري وباطني، وهذا يفرض علينا تبني التأويل للكشف عن هذا المعنى الباطني، ويغدو التأويل فعلاً شاملاً يستعين بمختلف المعطيات اللغوية والفكرية للكشف عن دلالة النص.
ويميز الدكتور (محمد عابد الجابري) بين عدة ضروب من القراءة يهمنا منها الضرب الأخير الذي يسميه (القراءة التأويلية) أو القراءة ذات البعدين، وهي قراءة تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلاً، فلا تتوقف عند حدود التلقي المباشر، بل تريد أن تساهم بوعيٍ في إنتاج وجهة النظر التي يحملها أو يتحملها الخطاب(5)، فالمتلقي إذن ينبغي له أن يستضيف النص، ويعقد معه صلاةٍ حميمة ليتعاونا معًا على إنجاز مهمة الفهم والتأويل، ويعني هذا أن المتلقي لا يدخل عالم النص مجردًا من النوايا، وإنما يدخله مزودًا بأفكاره ونواياه الخاصة، وبذلك يستطيع فهم النص "أحسن مما فهمه مؤلفه"(6)، وهذا يعني أن العلاقة بين القارئ والنص لا تسير في اتجاه واحد فقط، وإنما هي علاقة تسير في اتجاهين متبادلين (من القارئ إلى النص) و(من النص إلى القارئ).
- حضور الرمز الصوفي في الشعرالجزائري المعاصر
للتمثيل علىحضور الرمز الصوفي في الشعر الجزائري المعاصر نأخذ هذه النماذج التطبيقية، ولنبدأ بديوان "الوهج العذري" للشاعر الجزائري (ياسين بن عبيد).
- البنية التركيبية لعنوان الديوان: الوهج العذري مركب من عنصرين، مسند ومسند إليه (اسم + صفة) معرفين.
الوهج: لفظة تحمل دلالة العنف والقوة وشدة الشيء (شدة الاشتعال)، شدة الحب أي توهج الحب.
العذري: تعني العفة والصفاء والنقاء والطهر.
فالوهج إذن يوحي بانبجاس شيء ما ألا وهو الحب ثم انفجاره عند بلوغه أقصى درجاته، ولعل ذلك سبب استخدام الشاعر للون الأحمر في كتابة لفظ العنوان للدلالة على معنى الاشتعال.
إن حب الشاعر حب خفي تراكم إلى أن بلغ الذروة فانفجر مشتعلاً متوهجًا، وهذا الحب المتوهج هو حب طاهر نقي عفيف خال من كل الشوائب المادية، والأغراض الحسية وتلتقي العناوين الفرعية مع العنوان الرئيسي لتأكد عذرية هذا الحب ثم لتبرز مرجعية الكثير من عناوين القصائد، وهي مرجعية صوفية واضحة مثل: تراتيل المشكاة الخضراء ... فقد يكون النص خال بشكل تام من أية دوال صوفية على مستوى اللغة، إلا أن العنوان الذي يحمل بعدًا صوفيًا يجعل النص يتصوف، فيصبح يحمل دلالة صوفية.
فالعناوين بمثابة مفاتيح أساسية تساعدنا في ولوج أغوار النص العميقة، وكشف دلالته المختزنة، ولعل هذا ما أبرزته بوضوح الدراسات السيميائية الحديثة التي ترى أن "العناوين عبارة عن علامات سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص، كما تؤدي وظيفة تناصية إذا كان العنوان يحيل على نص خارجي ...، ويمكن تشغيل العناوين علامات مزدوجة حيث أنها في هذه الحالة تحتوي القصيدة التي تتوجها، وفي الوقت نفسه تحيل على نص آخر"(7).
وهنا نجد أن عناوين القصائد تحتوي النصوص، وفي الوقت ذاته تكشف عن المرجعية الصوفية لهذه العناوين، يقول الشاعر في قصيدة "عروس الكآبة":
أعيدي حديث الأمس ملهمتي الوجدي أعيـدي بقايـاه سأقـرأها وردا
أعيدي ولا تـأني .. حديثك بلسـم من المعضل المـزري بروعتنا أودي
على صدرك الأمنى زرعـت توجـعي وفي سره كأسي..ودفئي..فلا بردا(8)
في هذه القصيدة يستلهم الشاعر لغة الغزل العذري وأجواءه الخاصة، متدرجا في ذكر صفات المحبوب من الحسية إلى التجريد، فقد بدأت القصيدة بذكر الصفات الحسية لتنتهي إلى الحب الروحي، وأغلب الظن أن شعراء الصوفية –كما يرى زكي مبارك- "ابتدأوا حياتهم بالحب الحسي، ثم ترقوا إلى الحب الروحي"(9).
وهكذا نجد ياسين بن عبيد يخاطبنا في شعره بلغة الحب الحسي تارة، والعذري تارة أخرى، وهذا الحب الإنساني يجعله الشاعر معبرًا للوصول إلى الحب الإلهي؛ كما هي الحال في قصائد "يوم بانت سعاد"، و"حبين كنا" حيث يرسم الشاعر في هاتين القصيدتين خريطة هجرات الروح الإنسانية باتجاه النور، والفيض الإلهي. والملاحظ في تجربة ياسين بن عبيد الشعرية أنها تنزع أكثر إلى استلهام رموز الحب العذري، أو ما أسميناه في العنوان السابق بلغة الشوق والحنين، ولذلك نقرأ في شعر(بن عبيد) نزوعًا دائما إلى الموت والفناء في المحبوب.
أنا في عُيونِـك .. ذُبْـت أسِيرُ .. أسيرا .. ولازلت سائرْ
نشرتُ ظِلالي هناك كطفلِِ على شفتيهِ .. إليـكِ يسافِـرْ
ولملمت شملي بلا موعـد إلى قبلتيك بحبـي أهاجِـرْ(10)
في هذا النص تغدو المرأة رمزا للذات العلوية التي يذوب الشاعر فيها ويهاجر إليها بكل مشاعره وأحاسيسه، وهنا يتم تصعيد المظهر الفيزيائي الأنثوي إلى أعلى مستويات الروحانية الصوفية، وهذا يبرز لنا القيم الروحية التي يطرحها النص الشعري الصوفي الجديد ويبرز كذلك علاقة الذات الإنسانية بحقائق الوجود الإلهية، أو العلاقة بين واقع الذات الإنسانية، ورؤاها الروحانية، وهي علاقة قائمة على التنافر، والتضاد مما يعزز الثورة على الواقع، وتجاوزه إلى عالم الأحلام والرؤى.
وفي الديوان الثاني "معلقات على أستار الروح" نلمس وجود السمة الصوفية بشكل واضح، وقد أشار إلى ذلك الشاعر اللبناني (محمد علي شمس الدين) في مقدمة الديوان حيث يقول: "فمفردات الوجد الصوفي، من الخفاء والتجلي، والحب والمرض في الحب، والطريق والسالك، والروح وغصون الروح، والنار والليل والمجاذيب، والتيه وجمر التوجس، والجمر الأخضر، وليلى والتجريد والتوحد .. كل ذلك وسواه هو عدة الشاعر في قصائده، وهي قصائد غزل بل قصائد حب، ربما ذكرتنا ببعض غزل ابن الفارض"(11). يقول ياسين بن عبيد في قصيدة "عائد .. من سفر التلوين":
سافـر أنت يا نـدى مقلتـيا أنا وحدي على نـداك دليلُ
لاح لي في دجـاي نجـم بعيد وطريقي وما انطلقت طويلُ
لست أدري وها قريب صداها ممكنٌ لي الوصل أم مستحيلُ(12)
القصيدة حافلة بالدوال التي ترمز للمرأة مثل: "المقلتين، الصدى، الوصل" ولكن المرأة في هذا النص تتخلى عن صورتها المادية لتتحول إلى رمز روحي شفاف يحيلنا على العشق الصوفي الذي يحير لب الشاعر، ويعمق مأساته في إمكانية الوصال من عدمه بالمحبوب الذي يستعير له أسماء شخصيات الغزل العذري، وعلى رأسهم شخصية (ليلى) التي تحظى بمركز هام في تجارب الشعر الصوفي المغاربي، كما في قصيدة "أنا في هواها جملة" لياسين بن عبيد:
لليلى شعارٌ في الهـوى أم تـردّدُ ونار ليلـى في الرؤى أم تنهَّدُ
عيوني أرانيها الهوى جـزُرًا نأتْ ولكنها ليلـى بها تتـسَّهـدُّ
على الموج جاءت من نواد أحبُّها لها الجرح ممشى والشراعُ ممدَّدُ
وبيني وبين النور ليلـى محيلـةً على شجـر يدني إليه التوحُّدُ
أنا في هواها جملـة غيرُ واحـد أنا في هواها واحـد يتعـدّدُ(13)
وقصيدة "شعار آخر هارب إلى الأندلس":
ليلى شعاري إذا أحببتُ لا النُّجب لم تُبلِ عهدي بها الأحداثُ والحِقبُ
سِرِّي إذا علمَتْ سري وساورها منه ارتيـابٌ .. هـواها كلُّهُ تعبُ
يا أيها الجسد الممحُـوُّ صورتُـه إذا تراءتْ فمنْ رعشاتِـه السحبُ
تهمي وتمطـر آهـاتٍ وداليـةٍ مضفـورةً عنبا ما شكلُـه عنـبُ
... تغتالنـي بتثنيـها إذا ابتعـدت تغتالـني بالتثـني حـين تقتـربُ
وطاولت كل نخلِ الأرضِ ضاوية منها الجوانبُ والأفـلاك والشهبُ
... ليلى .. ويجرحني عطر على أثـر منها يـدل عليها حـين تحتجبُ
... كيف التسلي ومن حولي مواقفها على الدوام وفي سـري لها سببُ(14)
وعند تأمل هذين النصين نلاحظ مدى تداخلهما مع شعر قيس بن الملوح، خاصة من خلال استدعاء شخصية ليلى، والتي ترمز هنا للمحبوب الواحد الأحد.
والشاعر في استدعائه لتجربة (قيس وليلى) لا يقف عند حدودها المعروفة، بل يعطيها أبعادًا جديدة، ويضفي عليها رؤية صوفية، ولذلك يمكن القول إن التناص في هذه النصوص تناص واع، فالشاعر لا يكرر النص الغائب بدلالته التاريخية الدالة على الحب الإنساني بل ينفلت من براثن الجسد، ليدل على الحب الإلهي للنص إذن بعدان:
- بعد ظاهري: مصرح به ولكنه غير مقصود: الحب الإنساني.
- بعد باطني: خفي وهو المقصود: الحب المقدس.
وهذه الرؤية المقدسة للحب تصعد تجربة الحب لتشمل الإنسان والكون، بمعنى آخر هناك تصعيد للحب الإنساني إلى مستوى الحب الإلهي (الفردوس المنشود)، وسعي إلى طرح قيم روحية جديدة، تعتمد مبدأ المواءمة بين واقع الذات الإنسانية، ورؤاها الروحية من أجل خلق عالم جديد منسجم، ولذلك نجد أن الصوفي يبحث دائما عن التشاكل بين عناصر الوجود، بين الجامع والفارق (الحاضر والغائب)، ونتيجة ذلك نفي التناقض الظاهر بين الأشياء انطلاقا من وحدة الوجود؛ لأن الصوفية تنزع إلى استبطان حقائق الوجود والنفس رغبة في معرفة الأشياء من الداخل على حقيقتها لا كما تبدو من الخارج(15)، يقول الرمزيون: "إن الشاعر يستطيع أن يعبر عن العالم الداخلي من خلال العالم الخارجي، أي من خلال المادة، ولكنها ليست المادة الحسية، ولا العقلية، ولا العلمية، وإنما هي المادة الروحانية ... المادة التي ألممنا بها قبلا، والتي ينبغي أن يكون الفنان قد استنبطها وولج إلى أحشائها، وأقام في قلبها بعد أن فض غلافها الخارجي الزائف، ونفذ إلى الحقائق المستترة في قلبها"(16).
هذا بالنسبة للرمزية، أما الصوفية فقد سعت إلى ما هو أعمق، فهي لم تكتفي بالتأمل الباطني لحقائق الوجود، وإنما سعت إلى الاندماج، والتوحد معها من خلال التجربة الحقيقية التي يعيشها الشاعر ويحترق بلهيبها.
ولا نغادر (ياسين بن عبيد) حتى نشير إلى ديوانه الثالث "أهديك أحزاني"، والذي يكثر فيه توظيف رمز المرأة للدلالة على الحب الإلهي، ولعل عنوان الديوان يوحي بأن الخطاب موجه للمرأة يبثها الشاعر أحزانه وآلامه، والمرء لا يبث أحزانه إلا لمن يملك القدرة على تغييرها، وتحويلها إلى أفراح ومسرات، يقول الشاعر في القصيدة الأولى "أغنية النار الخضراء":
يا صباها تنهـدّت نظـرتاها بكـلام كواحـةٍ في فـلاةٍ
غـنّ قالت وما عليك عتـاب وقـف العُمـر شادي المأساةِ
غني .. غني فـأنت شـهودي يا ذهـولاً على مشارف ذاتي
قلت للرمـش والبقايا شهـود أنت منفـاي أنت كل جهاتي
وانسحبنا إلى ضفـاف التلاشي ثم قلنـا: هنا بقـايا الحـياة!!
رُبَّ منـها جلالـة وشظايـا وزعتـني فما التقت أشتاتـي
هي (أدنى من الضمير إلى الوهـ م وأخفى من لائح الخطرات)(17)
ربة النور، قل لها كيف أنسـى كيف أخفي الهوى بحزن سمات
كيف أنسى وكنت آنست نارًا واصطلينا ونحـن واحـد ذاتِ
لا حلولٌ .. ولا اتحاد .. ولكن للهوى شرعة .. ولي سكراتي(18)
هذه القصيدة (فاتحة الديوان) تحاكي بشكل واضح لغة الشعراء العذريين، ولكن هذه المحاكاة لا تقوم على الاجترار، والتقليد السطحي، وإنما تقوم على ملامسة وجدان المتلقي ونقل المشاعر والأحاسيس.
القصيدة تضعنا منذ البدء في رحلة روحية تنطلق من حب المخلوق إلى حب الخالق فالمرأة حاضرة في القصيدة ولكن بشكل روحي رمزي يحيلنا على المحبة الإلهية، ولعل ذلك ما دعا الشاعر إلى تضمين القصيدة بعض المقاطع من شعر الحلاج، كما في البيت السابع وذلك لمزيد من الإيحاء بالدلالة الصوفية للمرأة في سريتها الكاشفة.
إن انخراط الكتابة الصوفية عند ياسين بن عبيد في استدعاء الأنثوي، واستثماره في صياغة القصيدة الصوفية يدل على انخراط الشاعر في دين المحبة، والشوق للمحبوب، والمحبة شراب لا يرتوي منه صاحبه مهما شرب منه، ويضمن هذا السياق يأتي احتفال ياسين بن عبيد بالرمز الأنثوي.
هذا الرمز الذي يمارس في النص فعل الحجب، والكشف معًا، وهذه هي طبيعة الرمز الصوفي بشكل عام؛ إنه كالسحاب الذي يغطي الشمس لا ليخفيها، وإنما ليقلل شدتها حتى يمكن التحديق فيها دون أن تخشى الاحتراق.
فاللغة الصوفية لغة تجاوزية منفتحة على هاجسها الإلهي، والإلهي يحضر في كل شيء في المرأة، في مظاهر الطبيعة في عناصر الكون الفسيح، فالله في عرف الصوفية "أراد أن يرى صورة نفسه فخلق آدم على صورته، فكان كالمرآة له، وما الإنسان، وما العالم إلا تجلٍّ من تجليات الله، ما الحب إلا حب لله، فهو المعشوق الذي لا تدرك حقيقته إلا بحركة عشق تجاهه تتخذ من المناجاة وسيلة، ومن الخيال طريقة ومن الشعر ترجمانًا" (19).
والشاعر لا يسعى من وراء هذا الحب لتحقيق الاتصال الحسي، فهو حب روحي يتوجه من أسفل إلى أعلى (من الناسوت إلى اللاهوت)، أو من السطح إلى العمق (الارتداد إلى الذات) والتوحد مع المعشوق كما يقول الشاعر:
لا حلولٌ .. ولا اتحاد .. ولكن للهوى شرعة .. ولي سكراتي(20)
وهنا يبلغ الشاعر قمة التوهج والاشراق، والانفعال الداخلي حتى بصل درجة السكر والانتشاء بالمحبة الإلهية، ووصول الشاعر إلى هذه الحال يدل على قوة الانفعال، كما يدل على امتلاء قلبه بالحب الإلهي، وهنا يتوحد الشاعر مع عمق المرأة فيحيا فيها، بل يولد من خلالها ولادة جديدة، وهذه الولادة تعني تحقيق الوصال، وتحقيق السمو إلى الآفاق.
نحن إذن أمام تجليات روح منها يولد النص، ويتخلق، والشاعر عندما يحتفي بالمرأة فهو يحتفي بالمرأة / الرمز، المرأة / الروح، التي هي كون بشغل زمانًا لا نهاية له، ومكانًا لا حدود له، فالمرأة ليست جسدًا ميتًا بل هي روح متحركة تتجدد، وتتشكل باستمرار من خلال الأشياء المحيطة بها.
وهذا ما نجده في هذا الديوان، حيث لا يحضر رمز المرأة بصيغته الأساسية المعروفة (امرأة)، بل يأتي بصيغ أخرى، حيث يشير الشاعر إلى جملة من الصفات، والسمات الأنثوية الخاصة يتخذها رمزًا دالاً على المرأة.
- وسنقوم الآن بإحصاء نسبة حضور رمز المرأة في الديوان
عدد المرات
عنوان القصيدة
الرمز
مرة
أغنية النار الخضراء
عيني
//
//
صوتها
//
//
وشمها
//
//
وجهها
//
//
صبا
//
//
بريق
//
//
نظرتاها
//
//
الرمش
//
//
جلالة
//
//
ربة النور
//
//
سحرها
مرتان
قبلة على جبين القمر الأخضر
الرموش
//
//
العيون
//
في محراب الحزن أتلوك
عينيك
مرة
//
أحبيبتي
مرتان
كما يشتيها الموج
عينيك
مرة
على شفتي طائر من حنين
القلب
مرتان
//
عيناك
مرة
//
السحر
//
//
وجنتيك
مرة
على شفتي طائر من حنين
شفتي
//
الجسد الغيم
الهمس
//
//
لوزًا
//
//
قزحية
مرتان
//
ناظريها
مرة
//
سحر
//
//
هي المستحيل
//
//
هي الممكن
مرتان
أهديك أحزاني
عينيك
مرة
//
رقراقة الأصداء
//
//
همسة
//
//
وجدك
//
فارس في مملكة القيم
عيناك
//
//
جفناك
//
على صهوة الأنين
صباك المرمري
//
//
عينيك
//
//
مجلاك الصبوح
مرتان
//
هدبيك
مرة
//
أخت الفجر
خمسة عشر مرة
رباعيات اللوز والمرمر
اللوز
مرتان
//
عينان
مرة
//
وردة ماست
//
قالها وبه وجع من حنين
خدّها الفجر
//
//
همسها
//
//
الرموش
مرة
قالها وبه وجع من حنين
جنوبية العينين
//
//
قمر
مرتان
من مغربك الشروق
عيناك
//
//
أخت الفجر
//
//
شفاهك
مرة
//
ضفائرك
//
على ضوء القمر
الحسن
مرتان
//
لوزيا
مرة
//
عينيه
//
إني يقاتلني الغروب
ربة الحسن
ثلاث مرات
//
بحيرة العينين
مرة
//
يا ضوئية الأوضاح
//
//
صفائر ممراح
//
//
ثغرك الوضاح
//
//
صدر
//
//
غضارة
//
//
فجرك النضاح
//
//
عروس جراحي
//
تنهـدي
عينيك
//
//
أغرودة الروح
//
//
خصرها
//
ألقـاك
وجهك العلوي
//
أعاصير الروح
عيونها
من خلال هذا الجدول الإحصائي لحضور رمز المرأة في الديوان السابق، تبرز هذه الرموز على النحو الآتي:
1- العيون: هي أكثر الرموز حضورًا في القصيدة، فقد ورد أربعا وعشرين مرة، والعيون هي السمة الأنثوية البارزة.
2- اللوز: رمز خاص ورد في قصيدة (رباعيات اللوز والمرمر) خمسة عشر مرة ومرتين في قصيدتين أخريين، فيكون المجموع سبعة عشر مرة.
والمعلوم أن اللوز من الثمار التي تغلفها قشرة صلبة، وبذلك تتشاكل مع الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، والجسد هو بمثابة الغلاف / القشرة للروح، فإذا كسرنا القشرة حصلنا على لب الثمرة، والذي يماثل الروح عند المرأة، وكما أننا لا نحفل بالقشرة وإنما نحفل باللب فكذلك في التجربة الصوفية.
3- أنت الفجر: وما في معناه، ورد سبع مرات.
4- السحر: ورد هذا الرمز أربع مرات.
ثم تأتي بقية الرموز، وكما نرى فإن الشاعر في هذا الديوان لا يقف عند توظيف رمز المرأة باللفظ المألوف وإنما عمد إلى خلق رموز كثيرة، بعضها جديد قلما نجده عند غيره من الشعراء، مثل لفظ (اللوز) الذي ارتقى به إلى مستوى الرمز، فغدا يشي بالدلالات الصوفية شأنه شأن الرموز الصوفية المألوفة.
نحن أمام تجليات جسد، وتجليات روح، والشاعر يحتفي بالروح، بالجوهر (الكنز المخفي)، أو المعنى الباطن على حساب المعنى الظاهر السطحي، وهذا يتطابق مع الخصوصية التغييرية للتجربة الصوفية، والتي تشكل الواقع تشكيلاً جديدًا وفق منهج الهدم والبناء، أي هدم الظاهر، وبناء الباطن، وهذا ما يصرح به بن عبيد في قوله:
غـضًّـا تبـرّج وامتـدت مـواسمـه وأطيـب اللَّـوز ما عرَّاه ريعانُ
...ماكنت أروى بدون اللوز..هل شربتْ يمناي ضوءًا..وضوء اللوز معتقدي(21)
شاعر جزائري آخر تحضر المرأة في شعره بنسبة كبيرة تجاوز الثلث، إنه الشاعر (عثمان لوصيف) الذي يكشف شعره عن نزعة خاصة، فهو يعشق الجمال، ويذهل أمام الحسن البديع للمرأة التي تتحول في كتاباته إلى رمز مفعم بالدلالات:
المرأة: ترمز إلى Ü - الحزن والإحساس بالغربة
- القلق الوجودي
- الشوق إلى البدايات
- التوحد مع المطلق ...إلخ
يقول الشاعر في قصيدة "تلك صوفيتي":
تلك صوفيتي
أن أطالع في نور وجهك
سر الحياة
وسر الغوايات
أنا أتوضأ بالعشق في ظل عينيك(22)
يستوقفنا في هذا النص لفظ (العشق)، والذي يعني في المعجم الصوفي "إفراط المحبة أو المحبة المفرطة ...فإذا عمّ الحب الإنسان بجملته، وأعماه عن كل شيء سوى محبوبه، وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه، وقواه، وروحه، وجرت فيه مجرى الدم في عروقه، ولحمه وغمرت جميع مفاصله، فاتصلت بوجود، وعانقت جميع أجزائه جسمًا وروحًا، ولم يبق فيه متسع لغيره ...حينئذ يسمى ذلك الحب عشقا".(23)
"والمحبة اسم جامع لعدد من الصفات عند ابن عربي، ولذلك نراه يوحد الهوى والحب، والود والعشق، في عاطفة لها طبيعة واحدة تختلف بالصفات فتتغير عليها الأسماء".(24)
وهكذا يبدو لنا أن المحبة عاطفة واحدة، ولكنها تتطور، وفي كل مرحلة من تطورها تأخذ اسمًا خاصًا، فالعشق كما رأينا هو إفراط المحبة.
ولعل هذا هو الذي جعل عثمان لوصيف يستحضره في النص السابق للدلالة على عنف التجربة الصوفية لديه إلى حد أن الشاعر يتوضأ بالعشق، ليتطهر من أدران الواقع كما يتطهر المصلي بالماء الطهور، أي أنه يسمو عن الواقع المادي، ولذلك يغدو عشقه عشقًا روحيًا طاهرًا لا تشوبه الأغراض المادية، إنه حب جوهري أصيل، حب إلهي خالص يسعى إلى الارتقاء بالعاطفة والوجدان، ويغدو جمال المرأة رمزًا للجمال الإلهي المبثوث في كل عناصر الوجود؛ فتغيب المرأة /الأنثى، وتولد المرأة /الرمز التي تتقمص الوجود، وتغمر الكون.
جمالك يغمر كل الوجود
أحسك في روعة الفجر
أسمع صوتك بين النجوم
ألمس ريحك في كل زنبقة تتفتح(25)
إن الجمال الإلهي يغمر كل الوجود، والشاعر يحس به في كل مظاهر الكون؛ في الفجر، بين النجوم، وفي كل زنبقة تتفتح، وهذا تأكيد لوحدة الوجود التي قال بها ابن عربي،(26) والمرأة تجلي لهذا الوجود المطلق، بل هي أفضل مظاهر تجليه، و"أعظم الشهود وأكمله"(27) كما يرى ابن عربي، ولذلك يعشق الشاعر المرأة، ويعشق كل شيء جميل في الوجود.
تأسيسًا على ما تقدم يمكن القول: "إن المرأة بوصفها المحبوبة رمز الأنوثة الخالقة للرّحم الكونية، وهي بوصفها كذلك علة الوجود، ومكان الوجود، والعاشق لكي يحضر فيها يجب أن يغيب عن نفسه عن صفاته، يجب أن يزيل صفاته، لكي يُثْبت ذات حبيبته، وينوجِد بهذه الذّات"(28) وهنا ينفتح الرمز /المرأة على دلالات شتى:
- الدلالة الاصطلاحية: المرأة رمز Ü للحب الإلهي، والجمال الإلهي
- الدلالات الجديدة: المرأة ترمز Ü لـ: كل ما هو جوهري وأصيل في الحياة
السمو على الواقع
الحقيقة الخفية
الجوهر المفقود
وهكذا يصبح للمرأة بعد ظاهري محسوس (المرأة /الجسد)، وبعد باطني خفي يتوصل إليه بالقراءة التأويلية.
ويتخذ الرمز منحى تصاعديا من البعد المادي إلى البعد الروحي المفتوح على شتى الاحتمالات، وبذلك يخلق الشاعر المرأة خلقا جديدا عن طريق إفراغ المرأة من دلالتها المادية ثم شحنها بالدلالات الروحية الجديدة، وبذلك يؤول الرمز إلى طبيعته الأساسية، وهي التأليف بين الخاص والعام، بين السماوي والأرضي، بين المادي والروحي.
ولعل ما يميز توظيف عثمان لوصيف لرمز المرأة في شعره هو هذا المزج بين المرأة والطبيعة، وإسقاط الصفات الأنثوية على عناصر الطبيعة المختلفة، فروح المرأة حال في كل عناصر الوجود، كما أن الذات الإلهية حالة في الوجود، أو أن الشاعر قد فني بكليته في الجوهر الأنثوي، فأصبح لا يرى ذاته ولا يرى الواقع خارج هذا الجوهر، فقد تلون بلون المرأة واتشح بوشاحها، فحيثما تتوجه ببصرك فثمة وجه المرأة.
هذا الحضور للطبيعة يبدو وبشكل واضح في ديوان "ولعينيك هذا الفيض" و"اللؤلؤة"، ولعل ذلك يمثل مظهرًا من مظاهر وحدة الوجود، فالوجود واحد، وإن تعددت تجلياته، وما مظاهر الطبيعة المختلفة إلا تجليات للحق.
إن الشاعر في توظيفه لمظاهر الطبيعة(29) لا يقف موقفا سلبيا، بل يتفاعل معها يبحث عن الجوهر القابع بداخلها، عن روحها المستترة، هذه الروح التي تسري في الوجود، وفي عناصر الطبيعة، فتضم الكائنات جميعها في نسيج واحد متلاحم، ولكن النظرة المادية الروتينية جعلتنا لا ننتبه لها، ولا ندرك حضورها، ولكن الشاعر بحسه المرهف يستطيع أن يتغلغل بشعوره في صور الطبيعة وأشكالها المختلفة، وبذلك يولد رموزًا صوفية جديدة مصدرها الطبيعة بمظاهرها المختلفة الحية والجامدة.
وقضية توليد الرمز ليست بالأمر الهين، إذ أن الشاعر كي يستطيع أن يرتقي بعناصر الطبيعة إلى مستوى الرمز لا بد أن يعيش الحالة بامتلاء على مستوى الوجدان والروح، ومن خلال معانيها العميقة، فتتروحن مظاهر الطبيعة، وترق حتى تصل مستوى الرمز المتعدد الأبعاد الحافل بالدلالات، ولذلك قلنا سابقا إن صدق الإنسان المعاصر في علاقته مع الأشياء يجعله متصوفا، الصدق إذن هو معيار الإبداع، كن صادقا تكن فنانًا.
ومن علامات الصدق أن يرتبط الشاعر بماضيه وبتراثه، وهذا الارتباط بالتراث يظهر بجلاء عند الشاعر المغاربي الذي لا ينسى وهو يلج أبواب الماضي "أن هناك تراثًا شعريًا مترعًا بالرموز الصوفية التي تكهرب الأوصال، وتهز الوجدان وتدفع بالتالي إلى مزيد من الفعالية في مواجهة التفكك والانحلال والهبوط الروحي"(30)، ولم تكن هذه الثورة مجرد نزوة عابرة وإنما كانت "وليدة أزمة روحية وفكرية شكلت صدمة للواقع والإنسان، وحركت فيه بواعث الرغبة في التغيير، وتنقية الذات مما علق بها من شوائب"(31).
وقد عبرت الصوفية عن هذه الرغبة المتأججة على لسان (جلال الدين الرومي) الذي يقول: "إن الهواء الذي أنفخه في هذا الناي ليس هواء، وكل من ليست له هذه النار فليمت"(32).
الهوامش
(1) تودوروف، نقلاً عن فريد الزاهي، النص والجسد والتأويل، إفريقيا الشرق، المغرب 2003، ص 57.
(2) فريد الزاهي، النص والجسد والتأويل، ص 57.
(3) ينظر السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، المكتبة الثقافية، بيروت، ج2، 1973، ص 173.
(4) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، المركز الثقافي العربي، بيروت 1990، ص 230.
(5) ينظر محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت 1985، ص 09.
(6) نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل، ص 22.
(7) جميل حمداوي، "السيميوطيقا والعنونة"، مجلة عالم الفكر، الكويت، ع (3 مارس 1997) ص98، 99.
(8) ياسين بن عبيد، الوهج العذري، ص12.
(9) زكي مبارك، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ص248.
(10) ياسين بن عبيد، الوهج العذري، ص31.
(11) ينظر مقدمة ديوان ياسين بن عبيد، معلقات على أستار الروح، منشورات دار الكتب، الجزائر 2003، ص09.
(12) المصدر نفسه، ص24.
(13) المصدر نفسه، ص31.
(14) ياسين بن عبيد، ديوان معلقات على أستار الروح، ص32، 33.
(15) ينظر أمين يوسف عودة، تأويل الشعر وفلسفته عند الصوفية (ابن عربي)، منشورات رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، ط1، 1995، ص149.
(16) إيليا حاوي، الرمزية والسريالية في الشعر الغربي والعربي، ص12.
(17) البيت مقتبس من شعر الحلاج.
(18) ياسين بن عبيد، أهديك أحزاني، المطبوعات الجميلة، الجزائر 1998، ص13.
(19) محمد الكحلاوي، "الرمز والرمزية في النص الصوفي، ابن عربي نموذجًا"، مجلة الحياة الثقافية، تونس ،ع 75، ماي 1996، ص 28، 29.
(20) ياسين بن عبيد، أهديك أحزاني، ص13.
(21) ياسين بن عبيد، أهديك أحزاني، ص 58، 59.
(22) عثمان لوصيف، براءة، دار هومة، الجزائر 1997، ص44.
(23) سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، ص303.
(24) المرجع نفسه، ص302.
(25) عثمان لوصيف، براءة، ص44.
(26) وتعني "ظهور الحق في كل صورة ...فهو [تعالى] المتجلي في كل وجه، والمطلوب في كل آية، والمنظور إليه بكل عين، والمعبود في كل معبود، والمقصود في كل الغيب والشهود".
- ينظر سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، ص1151.
(27) ينظر ابن عربي، فصوص الحكم، (فص حكمة فردية في كلمة محمدية).
(28) أدونيس، الصوفية والسوريالية، ص 107.
(29) لم تكن رموز الطبيعة في الشعر الصوفي بمعزل عن رمز الجوهر الأنثوي، مما يهدي إلى أن الصوفية قد بسطوا شعرهم في المرأة وامتدوا بها في نسيج الأشياء بوصفها رمزا للفعل والانفعال، وتلويحا إلى قيمة استطيقية عالية.
- ينظر عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص306.
(30) ينظر مقدمة ديوان حسن الأمراني، ثلاثية الغيب والشهادة، منشورات المشكاة، المغرب 1989، ص 55.
(31) عبد القادر فيدوح، الرؤيا والتأويل، ص 64.
(32) ينظر محمد مصطفى هدارة، "النزعة الصوفية في الشعر العربي المعاصر"، مجلة فصول، ع4/ 1981، ص146.

قراءة في "قالت الوردة" للشاعر عثمان لوصيف، بقلم/ محمد ياسين رحمة
إن أغلب الشعراء أبدعوا من موقع الشعور الفجائعي بالاغتراب. اغتراب عن الذات الباحثة عن هويتها وهي مُضيّعة في دوامة زمن لا يعترف بالهوية الشعرية ،إلا في حدود ما يُستلب منها، حينما تُحبس في قفص الوظيفية . أو اغتراب
عن الوسط الاجتماعي الذي ينكر على الشاعر، جموحه وتمرّده على الأعراف والتقاليد، والذي يجحد أيضا فتوحات الشاعر السّحرية لممالك القلب وهو يبث فيها أزاهير الأحلام وينفخ من فيوضه في "الأرواح المتكسرة" ٌ .أو اغتراب عن أرض الصرخة الأولى، التي تبقى متعلقة بالحبال الصوتية للشاعر و مشدودة بحبائل مخياله الشرود، فتصادر سكينته و تزرع فيه ثورة متيقّظة و متحفّزة للانفجار...و تتعدد ألوان الاغتراب عند الشعراء، و لكنها تبقى في مدار فاهمية محورها العقل و مركز جاذبيتها التفاعلات النفسية الناتجة عن المحيط الذي يحاصر الذات الشاعرة.
قالت الوردة ٌ، وقفة اغترابية خاصة جدا، لامس فيها «عثمان لوصيف» شمس المطلق، حينما نسج جدائل من الزّئبق بأصابع تحترق، وراح يُروّض أحصنة البرق الشاردة في سماوات الوهج . إننا أمام اغتراب كوني، يحنّ فيه الشاعر إلى بعد مهمل قبل كينونة الزمن الفيزيائي، زمن يؤرّخه الافتراض وحده... و يشتاق فيه إلى فضاء الكينونة الأولى، بعد مهمل لا تدركه إلا روح متصوّفة، تمارس المعراج إلى بحيرات الطهر السماوية. إنه اغتراب صوفي ، يؤرخ لحظة الخلق المهربة من العدميات التي لا يدرك حقائقها إلا شاعر يستطيع تحرير روحه من لعنة الجسد . إن الغوص في العمق الشعري لقصيد قالت الوردة، هو محاولة لكسر مرايا بحيرة الفيوض عند شاعرنا و إحداث الارتجاجات اللازمة لتحديد مراكز الدوائر التي تُرتسم. و هو محاولة لتعرية الأبعاد الوهمية و تثبيت الذات الشعرية، في مواجهة منطقة الانهزامية و الانكسارية منها، لاستشفاف الأبعاد الروحية التي ترنو إليها... وهي محاولة لتحديد الهوية الشعرية لعثمان لوصيف على منحى القصيد دون الانزلاق في أشكال التصنيف الشعري.
من شفاهي تنزلق الكلمات
سمكا أخضرا
ذهبي الزعانف و الزغبات
شاعر... شفتي زهرة
و يداي لغات
تسكر الأرض حين أغني
و ترقص أشجارها العاشقات
و الفراشات ترتفّ فوق رموشي
و تستيقظ النجمات
في هنيهات انثيال الرؤيا على الكائن الشعري، تكون الذات الشاعرة تحت وقع صدمة كهروشعرية. فتُصاب بارتجاج ارتيابي تتمثل فيه حضورها و امتداداتها و أبعادها. و خلال هذه المسافة، تحدث التفتّقات الإبداعية وتتداعى اللغة الشعرية الخاصة وتلتحف الألفاظ معاني الحالة الصوفية... ولا يرتدّ الكائن الشعري، إلى طبيعته إلا وقد نثر على الأوراق عرائس انثيالاته. غير أن هناك شاعر، يتواطؤ مع واقعه، فتكون ذاته الشاعرة مشبعة بترسبات وعوالق، ومثقلة بموانع وعوائق تمنعها من التحليق في كل الفضاءات... هذا الشاعر، صادر حريته المخيالية وتنازل عن العرش الفاضل الذي توّجته به الرسالة الشعرية... شاعرنا سفّه واقعه وتحرر من كل اللزوميات والفروض وراح يرتاد المجاهيل، ليثبّت الطبيعة ويعيد إليها عذريتها المستلبة، وليحقق الهوية الإنسانية الخاصة لذاته البشرية ، كذات نمطية لكل البشر المنكسرين تحت وطأة الكفر بالطبيعة والفاقدين للإحساس بالقيمة الإنسانية.
آه – يا وردة السهو
غني لمعجزة الخلق
وابتهجي..
ليس هناك من ينكر على الورد رقّته وجماله وما يزرعه في نفسية ناظره، من مباهج وأحاسيس لذيذة . الورد جميل بذاته وهو جميل بصمته وما يختزنه من معاني ومفاهيم سامية، في إطلاقها... وحتى اليوم لم يجد العشاق أبلغ من الورد للتعبير عن آيات العشق في أعماقهم. ولعل الورد قد اختزل كل لغات العالم في أكمامه وأبدع لغة إنسانية مُوحّدة تخاطب الشعور المتسامي وحده .. شاعرنا، أدرك ذلك و أدرك أن الشاعر المتصوّف هو قدّيس العشاق بامتياز، لأنه المُولّه بالعشق للعشق و هو راهب الجمال في محراب الرموز التي تمثل كل جميل . وإذن، فهو الأقدر على فك شفرات لغة الورد وهو الأعرف بأشكال مخاطبتها .. و لأن معجزة الخلق، هي اتحاد منسجم بين آيتي العشق والجمال، فإن وردة واحدة ، في استطاعتها أن تغني لمعجزة الخلق ، إذا ما دعاها شاعر متصوّف... هي وردة السهو، أو وردة الروح المُولّهة التي ألفت المعراج إلى بحيرات الطهر السماوية ، قبل أن يأسرها جسد الطين . وكأن الروح قبل خلق الجسد كانت وردة انصهر فيها منتهى الجمال و العشق.
صيحة الأمر دوّت
وكن ! فاستجاب السكون العميق
وحنت نواقيسه فاختلج
ولها...
و اشرأبّ الظلام امتزج
بالرؤى و المرايا التي لألأت
أنجما وهزج
الشاعر وحّد بين عقله وروحه وألغى مجال التصادمية بينهما . فقد صهر خبرته الوجودية وما ترسّب في ذهنه من معارف علمية بمدركاته الصوفية، فأنتج بعدا خاصا، عقلن الشعور ووحد بين البعد العقلي و البعد العاطفي الانفعالي واستطاع أن يخضع المعرفة العلمية للمدركات الصوفية، دون تنافر أو تناقض.. وراح يعرض لنظرية خلق الكون العلمية بفاهمية صوفية، تجعل من هذا الخلق معجزة يجب أن يستوقفها التأمل والتدبر، من منظار صوفي يعنى بالعشق والجمال. فالسكون العميق (مرحلة العمى) استجاب لصرخة الأمر كُن ، عشقا وولها في الخلق ذاته . وكأن الله أحب الخلق فخلق، وكأن الأصل في الخلق هو الحب، وكأن معجزة الخلق ابتدأت بآية العشق ( الحب).
آه... من أي قاع سحيق
ومن أي بيداء أو عدم
يتدفق هذا الضياء
وتزهر بالصور الفاتنات
وبالسحر هذه السرج ؟
بعد آية العشق، تدفقت آية الجمال، حينما تدفق الضياء ولألأت النجوم بعد مخاضات البروق والرعود والرياح.... فاكتملت معجزة الخلق – الأولى – بانصهار آيتي العشق والجمال. وها هو الشاعر الصّوفي، يضعنا في مواجهة حقائق الأمور وأعادها الروحية، التي لا تدركها فتوحات العقل وحده. ويتجاوز بنا النظريات المعرفية الجامدة و مظهريات الحياة الزائفة، تجاوزا يمنح التأمل والتدبّر في كتاب الكون، الدلالة المفتاحية ، لقراءة مظهريات الحياة وما تبسطه من إشكاليات حول معناها وأسرارها...
يا دم الكون
يا ... دمي
أجّج العشق نارا ونور
واتل للعاشقين كتابك
كي تستفيق العقول
وتزهر بالمجد هذي السطور
يحاول الشاعر، أن يزرع الاغتراب الكوني في الحس الإنساني، بغية عزله عن الكيان البشري الزائف، لتحريره، ثم إعادة صياغته وفق آيتي الخلق الأولى (العشق والجمال ) ، ليوجد قوة منعزلة بذاتها في عمق الآدمي ، يمكنها أن تُطهّر الكائن البشري من كل الخطايا ، التي تركبه في عصر الضلال وتحرّره من سيطرة مطلقة لعقل برهن فشله المتكرر، لبلوغ الغاية الإنسانية ... فأدوات هذا العقل، تتطور في حدود ضيقة بالتفاعل مع دواعي الاستمرار الوجودي، وكثيرا ما خرجت هذه الأدوات عن سيطرة مبدعها ، فصار الكائن البشري عبدا لها ومهددا كوابيسها .
هي ذي سُدُم أنا صادمها
هي ذي جزر أنا راسمها
أتخطىّ النجوم إلى المنتهى
.....................
سندباد الأعالي أنا
ها المجرات تسبح بي
وتقلّدني هالة من جلال البهاء
الروح الإنسانية، هي جوهر سماوي خالص ومطهّر تمام التطهّر من عوالق الخطيئة و مكتنز لنورانية الكمال، شهدت التحولات الكونية الأولى، التي تفاعلت فيها ذات الذّرات والعناصر المشكلة لجسد الطين الذي يأسرها... لا تتساءل عن الحقائق العلمية لنشأة الكون ولا تبسط ذاكرتها لتقارع مكتشفات العقل فيما كانت شاهدا فيه، بل تحاول أن تؤكد بشهادتها، أن تاريخها، منفصل عن تاريخ جسد الطين الذي يأسرها وعن تاريخ خلق الكون المادي... ولعل أقصى ما تطمح إليه، هو التأكيد، أن آيتي العشق والجمال متأصّلتين فيها وأسرها في الجسد، هو تأصيل للآيتين في إنسانية الإنسان. بمعنى، أن هذا الآدمي هو إنسان بروحه قبل أن يكون كائنا بشريا بعقله.
أي لغز أنا ؟
أي أسطورة بالرّدى ترتطم
وتظل تسافر من رحم ل رحم ؟
كم رسمت الخرائط
كم بت أطعن ليل العدم
كم كتبت الشموس
وأعطيت شكل الكواكب
شكل البحار وشكل الدّيم
كل ما قدّمته المعرفة العقلية ، من معارف علمية ، أعانت على فهم الظواهر الطبيعية وتفكيك عناصرها وتسخيرها... والغاية هي كيفية إعداد الكون، من أجل أن يمارس علية الآدمي حياته. ولكنها لم تستطع أن تضبط العلاقة الروحية بين الإنسان والعناصر الأولية لهذا الكون. ولم تستطع، أن تحدد، دور الإنسان في الكون، انطلاقا من تلك العلاقة. فتقنعه برسالة معينة، حينما يعتقد فيها، يحقق إنسانيته. كل ما قدمته المعرفة العقلية، ساق إلى القلق والاضطراب ولخوف من الآتي... المعرفة العقلية، تُحدّد الآدمي، ككتلة مادية من العناصر مستقلة بذاتها وبتفاعلاتها عن منظومة الكتل المادية المنتشرة في الكون... وشاعرنا يبحث في أصل العناصر الكونية التي انطلقت من صرخة الأمرٌ كنٌ، وكانت الروح شاهدة على ذلك، من موقع ما... وإذن، فإن علاقة حميمة، أشبه بعلاقة الدم، تربط موجودات الكون، وهذه العلاقة تدركها المعرفة الصوفية بأدوات الصوفي الخاصة.
كم عبرت صحارى القرون العجاف
هتكت حجاب الظلم
وتسلقت فجر القمم
كم وقعت على هامتي ميتا
غير أني ارفض أن أنهزم
لم أزل منذ مليون عمر مضى
أتذكر كل الملاحم والمعجزات
وكل الصواعق والنيازك
كل البراكين والحمم
لم يستطع جسد الشاعر، أن يكتسب أسباب سعادته مما يمتد أمامه من موجودات يمكنه ملامستها وامتلاكها، ومن وسائل في استطاعته تملّكها وتوظيفها، فراح يرنو إلى سعادة روحية خالصة، مستغرقا في الوهج الصوفي، إلى الحد الذي يتحول فيه الشاعر إلى كائن أثيري، يفتّش في ذاكرة الروح.. فينطلق من عذابات الواقع الجزئية والمجزّأة وينتهي إلى تجربة روحية شاملة ، ينتفي فيها الزمن الفيزيائي وتنفتح بوابات الاستكشاف أمام سندباد الأعالي ، فيؤرخ لمليون عمر مضى ، على زمن الروح المتواصل في الساعة السرمدية. ورحلة سندباد الأعالي، هي محاولة جريئة جدا لتأكيد كشوفات العقل المعرفية، في سياق الاتحاد بالكون واستنطاق عناصره الأولى. ليس من أجل عقلنة الحالة الصوفية وإلباسها بعدا علميا، و لكن من أجل تأكيد المعرفة الصوفية و مدركاتها، كمفتاح أساسي في قراءة الأبعاد المهملة للإنسان. وأيضا، من أجل رفع حالة الاغتراب الكوني، التي يحياها الشاعر وتأكيد اغتراب الإنسانية، ليس فقط عن بعدها الكوني ولكن اغترابها عن جسد الطين الذي يأسرها... وكأن الكائن البشري، يحيا حالة احتباس روحي فظيعة، أحدثت بينه وبين معجزة الخلق (آيتي العشق والجمال) قطيعة مهولة.
مقلتا امرأة خطّتا قدري
ويدان تشيران لي
أن أفق
السماوات تغسلني بالنبيذ
وتلبسني سندسا ويقق
ها هنا نهر يتلاغى
هنا زهر يتناغى
هنا سدرة ونبق
السماوات...
يا للسماوات من شاعر يحترق
إن العشق و الجمال، آيتان قيميتان ، تدركهما الذات المرهفة التي تمتلك أدوات التفكّر والتدبّر في معجزة الخلق وتمتلك فيضا إيمانيا ، يطهرها من رجس الانجذاب إلى مستنقع المساحيق والأقنعة والواجهات المزيفة .. وكل ما أبدعته المعرفة المادية و أغرقت فيه دنيا الإنسان، فخنقت أنفاس البشرية و صدتها عن اكتناه حقيقتها الإنسانية... ولعل الشاعر قد أدرك، بحدسه الصوفي ، أن التغلغل إلى أعماق العقلية المادية وتفجير ثورة قيمية بداخلها، يستلزم اكتساب الذات البشرية ، أبسط أدوات التواصل مع معجزة الخلق... فوجد بإدراكه الصوفي، أن المرأة هي آخر ما تبقى من مفاتيح للولوج إلى فضاءات الذات البشرية.. و المرأة تختزل كل الأبعاد القيمية الفاضلة، فهي رمز العطاء الخصب الازدهار و هي وسيلة تفجير ثورة العشق و هي أبجدية قراءة الجمال. فمن لا يعشق لا يستطيع أن يستبطن منطقة الأحاسيس في أعماقه و لا يستطيع أن يكتشف ممالك القلب في دخيلته. ومن لا يهتز للجمال وينتشي بلذاته السحرية، لا يمكنه أن يراقص عرائس الذوق في ذاته ولا يستطيع أن يلامس حقيقته الإنساني.
حينما يلتقي عاشقان هنا
تحبل الأرض بالمعجزات الكبار
وآياتها تكتمل
إن امتلاك القدرة على قراءة الجمال بروح عاشقة، يفجر ينبوع الإنسانية في أعماق الذات ويطهر الكائن البشري من خطايا العقل الضال بمعارفه... والتقاء عاشقين، هو أسمى مراتب التوحد بذات الطبيعة، في ميقات خارج سياق الزمن الفيزيائي... وعبر هذا الالتقاء وحده، تسقط جغرافية الحدود وقوانين الجنسية وحواجز اللغات... لأن آية كبرى تتكشف على ارض البشر وهي ميلاد الإنسان الكوني ( المتحد بعناصره الكونية ) ... إن ميلاد الإنسان، من رحم المرأة و ميلاد الإنسان الكوني من المرأة ببعديها العشقي والجمالي... فالخلق في رحم المرأة ، والخلق بالمرأة ذاتها ، في المنظور الصوفي لشاعرنا .
آه... يا قارئي
لا تقل : عبثا كل هذا السفر
عدت مكتنزا بالمعاني
ومحتشدا باللظى و المطر
المرايا ترفرف حولي
البروق تطوّقني
وتفيض على مقلتي ألوف الصور
ليس عبثا أن يعانق الشاعر زهرة روحه ويرتاد المجاهيل الكونية والدياميس المقفلة، بحثا عن السر الذي يوحد بني البشر ويطابق بين الإنسانية والطبيعة والكون... فيكشف لنا وحدة الروح الإنسانية وحقيقة الإنسان الكوني الذي ترسم الروح منحى عقله ويقوم تاريخه الكوني مقام الضمير فيه... وقد قدم لنا الشاعر، كشفا صوفيا، لا تتعارض فيه المعارف العلمية مع المدركات الصوفية. وهو لا يمنحنا فرصة التساؤل عن هُويّته الوجودية، ربّما حتى لا يورطنا في الكشف عن سره الصوفي الذي فتح له المسالك التي لم يبصرها العلم و لم يتبصّرها التّأمل و لم يدركها المخيال الفني..
آه يا جسد الطين يا جسدي
إن سلختك بالأمس عني
وغادرت هذا التراب وهذي الحفر
فلكي أتبطن غامض سري
وأنحت من صاعق الرعد
معنى لهذا الوجود
وارفع بالدم والنار
معراج كل البشر
إذا أسلمنا بالحقيقة الصوفية التي انتهى إليها الشاعر، وهي وحدة الروح فلماذا يتقاتل البشر ؟ وإذا كان البشر يشتركون مع الطبيعة عضويا، في تاريخ كوني واحد، فلماذا يعلنون عليها الحرب ويخنقون الحقيقة الإنسانية وبالمقابل ينتصرون لأكاذيب وأوهام العقل الضّال ؟ لقد أراد الشاعر، أن يصوغ معنى للوجود، باكتشاف الحقيقة الإنسانية الواحدة ولعلها الحقيقة اليقينية الوحيدة، التي يمكن للكائن البشري إدراكها ، إذا تبع مسلك العشق والجمال... وأترك للقارئ، يستنبط رسالة الشاعر، من القصيد الديوان ٌ قالت الوردة ٌ من خلال هذا المقطع الشعري الذي اعتبرناه بمثابة بيان شعر.
أيها الآدمي الذي يتجبّر
قد سطعت على الملكوت
إلها صغيرا
وأورثك الحق هذه البسيطة
أنت الخليفة فيها فلا تنكر
الأمانات بين يديك
رويدك لا تتماد فتخسر
أنت من جوهر
في السماوات كان تألق
ثم استويت هنا بشرا
من تراب تكوّر
هي ذي الأرض تدعوك
أن تتلطّف
تزرعها جلجلانا وجوهر
ونوافذ تهفو على الكائنات
فتسكر
آه ... هل كنت جئت هنا تسيطر
فتذلّ الضعيف
تريق الدماء
وتفسد ما أبدع الله
يا أيها الآدمي
استعذ بالهوى و تطهّر
واعتنق زهرة البرق
والأرج المتسعر
أيها الآدمي تحرّر
من عبودية النفس والشهوات
وكن نغما يتغنّج
أو أنجما في الدياميس تزهر
وسحابا يفيض
إذا الحقل أقفر
وغدا الصبح أكدر
أيها الآدمي تذكر
نفخة الحق فيك
وكيف اصطفاك لتحتضن الأرض
تفرشها أغنيات
وعشقا
وعنبر
أيها الآدمي تعطر
بالهوى
ثم صلّ مع العاشقين وكبّر
فإذا غلبتك الغرائز
فالله أكبر
قراءة في نص الشاعرة الكينية /سولارا الصباح، بقلم/ الطيب لسلوس
تتبعا لمسار الشاعرة الشفافة جدا سولارا الصباح يزيدني إغراء لقراءة نصوصها وكان إحساسي أحيانا عند التعاطى مع نصوصها التي اتوهم أن هناك التزام أخلاقي ازائها لو تركته لمرت تلك النصوص إلى عميق الصمت ولا يرى الكثير من كنوزها وإلى أن هناك انتباه خاص إلى الوجود الذي يلف هذه النصوص، نمر على أيقونات كثيرة تؤثث الجملة الشعرية التي هي بمثابة الكون الخاص للشاعرة. أو لنقل أن عالم أو أيقونات النص عند سولارا الصباح هو صنيع زجاجي أو أكاسير على القارئ أن يتجلى بحدة وأن يختار وقت الدخول إلى عالم نصها قلت مجازا أن وقت الدخول هو الفجر حيث بداية الاشياء وهي تستيقظ من نومها ومن صلصالها العتيق هناك من ليلها الأبدي حيث الظلال ما تزال الدليل الوحيد على الموجودات والظلال هي الدليل أو الاثر الأكثر حضورا من والوجود فعلا، الاشياء في ذاتها في تلك اللحظة بالذات حيث يتاح لنا أن نرى العالم لأول مرة وليس سهلا أبدا العالم أول مرة، إنها العودة إلى الحياةبكامل طغيانها وبكامل بساطتها العبقرية
نص رقية الموت
أو رؤية الموت أو مابعد الحياة والموت لكن رقية الموت مما يا ترى، العنوان مشع وهذا دأب النص من البداية حتى النهاية
الموت بدء لجناح الريح.
للروح التي تلتمس الضياء
وربما كانت الحياة بدء أيضا لجناح الريح هذا ليس الوصف الوحيد إلى الحياة في عزلة البداية أتى هكذا من عين الشاعرة إلينا بل هو وصف يتردد كثيرا في كل الديانات "الكلمة" في الانجيل وهي الريح أو النفس وهي عناوين البداية للكينونات كثيرة في المدونات التي تصف بداية حياة، اسماعيل مثلاأو الملاك الذي يسمع والريح حيث بدأت الكلمة. بدأ الاسم بوصفه عالما ينهض من النسيان الأبدي. مهم أيضا الاشارة إلى الزمن إنه زمن الدائرة زمن يبدأ الاشياء ويعيدها من حيث بدأت لتبدأ من جديد حيث لا تقرر الجملة ما إذا كانت الموت بداية العدم أو بداية الكينونة فالجملة مفتوحة على ما بعدها.
الروح أو الريح الفارق هنا ضئيل وحتي عند العرب فإن كلمة الريح أو الروح تلدان من نفس المبنى الاختلاف فقط في فزياء الوجود للأولى والثانية لذا فقد فرق بينها بالواو هذه الروح التي تلتمس باحثة عن الضوء كأنها مشتاقة إلى مكانها الأخير تذكر هذه الجملة بما يذهب إليه فيلسوف الجمال أفلاطون والرازي الأول في مفهوم العقول العشر وكيف أن العقل العاشر يعتني بكل العقول الأخرى لأنه هو الذي يحيط بها ويمثل ذلك بدوائر تحتوى الواحدة الأخرى وأن العقل العاشر محيط النور الأبدي حيث ترتقي حالات الكيونونة إلى أن تصل إليه. الرازي يقول أيضا ذلك بوصفه أفلاطنيا كبيرا في كتاب الشقاء والسعادة حيث الجنة والنار هما مدا قربنا وبعدنا بعد الموت من النور الأبدي الالهي وبعد أن تصف الشاعرة رؤيتها إلى الجمال والكون تصف الفعل المميز لهذه الروح التي تلتمس أي أنها في حالة عمه دلالي وأيقوني لا يوصف وهي تائهة تتلمس طريقها إلى النور.حيث تصف الضياء في الأخير.
أنه فاتح الكون للعدم
أقول: الغياب
أي أن الضياء هو فاتح الكون للفناء وبالضرورة هو فاتحه للوجود لأن الجملة تحتمل المعنين معا. يمكن أن يقال كحاشية أن كل ما تقوله الشاعرة في هذا النص يخضع إلى نظرية الفزياء كأن هذا النص هو طرح نظريةأو ربما كما يقال أن الشعر هو الفاتح أو المتقدم إلى صلابة العمى فاتحا نار الرؤية على العالم قبل العلم والنظرية لأن هؤلاء هم أطفال الشعر الصغار يأتون فيما بعد ذلك شارحين وموضحين لرؤية الأب أو الأم لأن الشعر أيضا كائن الهيمرمافروديت. وبعد أن رسمت الشاعرة نظرتها على اللوحة المتحركة التي تختزل الوجود والعدم بكل علاته وأسبابه تضعنا أمام القول الفاتح أو اقتراحها الخاص لأن ما سبق هو كله معرفة سبقتها مدونة ومهضومة وربما متجاوزة في بعض الأحايين تقول ..أقول.. أي أنها تريد التسمية من جديد لكل ما سبق.
إنها تريد أن تقول الغياب بألفه أو دون ألف الغيب. وهنا لا فرق أيضا بين الغيب والغياب لأنها لا تمتلك سوى نبؤتها كشاعرة في تلك اللحظة لحظة القول كفاتح للكينونة، بعد كل ذلك تبرر لماذا تريد قول الغيب. فقط لترى فسحة الصمت
لأرى فسحة الصمت
دخول الظلام
قول فسحة الصمت الأبدي لوصف الاراضي الطرية، لمعنى الوجود الانساني تلك الارض التي علينا أن نسميها لتوجد ولتزداد صلابة، لتخرج من حالة صمتها الوحش إلى الأنسنة، ترى الشاعرة أن الخيار الوحيد لكل ذلك هو قول بداية الظلام أو قول الظلام بــ: دخول ظلام تلك الارض بوصفها أرض البداية الدنيا للوجود وفي شبه تقديم لأثبات أن أرض البداية هي الظلام، دخول الظلام تمثل لنا مثالا وتقول.
رموز الصراخ:
لكأن الحزن انتظارا
الولادة بالصراخ صورة لم تفارق الواحد منا حتى يتعدد في العدم، الولادة معبرا عنها في شكل صراخ تراها الشاعرة هي محض فرح أول بادئ للكائن كونه تخلص من روح الظلام التي كانت تسكنه حتى القرار فرح أول وبادئ ولا ينتهي حتى أن كل أحزان الكائن تأتي من كونه ينتظر السفر إلىالضياء الأبدي أنظر ما تقول الشاعرة
لكأن الحزن انتظارا إذن مصدر الحزن هو انتظار موعد السفر إلى الكينونة العليا، الكينونة الخالقة حيث السمو إلى الكائن الأعلى الذي هو منبع كل شيء وإلالهه. الحزن بسبب الشوق الأبدي الذي هو نار توقدها الحقيقة فينا ومنا وإلينا ولنا ولأننا هي متجلية في شكل حزننا الذي يدلنا على شوقنا لها كونها نحن. تقول الشاعرة أن الانسان مدفوع إلى تجريب كل شيء يضنه طريق إلى أمل في الخلود الخالد.
أطلق رغبتي في امتلاك الخلود
أمنح كفي لجرأة العبث
الرغبة إذن إحدى الطرق التي وصفتها معظم الديانات على أنها الحالة البادئة وتجربة تثبت إلى حد اللحظة نجاعتها في الطريق إلى الخلود إنها الرغبة في البقاء حفظ الحياة في النوع البشري ثم الانساني إنه الحل الوحيد المتكرر والناجع في وجه نسر العدم الضاري الذي لا تطرف له عين وهو يمزق وجودنا نتفا ويقدمه إلى صغار النسيان الأبدي طعاما متفسخا ومأكولا كعصف لكن رغبة الخلود تترك دائما مايبقى واقفا في النهاية صلبا على منقار النسيان الأبدي إنه الانسان نفسه كنوع وكأيقونة نجرب عليها الفن الذي يتصلب ويصبح علما ويتصلب ويصبح دينا ويتصلب ويصبح شيئا خالدا في وجه النسيان.
إرادةالخلود بالرغبة ماهي إلا وجه من وجوه التجربة العقلانية لأرادة الخلود عبر النوع لكن الشاعرة تفتح أيضا بابا آخرا. عله طريقا إلى الخلود لأنها ترى أن العقل والنظام ليس ضمانة قطعية نحو الخلود. لذا فالعبث أيضا طريق مفتوح كمحاولة تستحق التجريب، تخريب المعقول بإرادة إنسانية أخرى تلم شتات العشوائية. لم تجد الشاعرة أو لم تقترح طريقا آخرا ربما لأنه لا يوجد. تختم الشاعرة بجملة غلق طويلة نسبيا تقول ودون توقف على الأقل من حيث المعنى
أشحذ الحياة وثمة طين يسقط في نطفة ماء
يدخل
يدخل
يدخل
يفتح صلصلال الكون
تبدو هذه الجملة وكأنها نتيجة ولكنها أيضا صدمة الحقيقة الفزيائية للوجود الصامت عنا كلما قدمنا تفسيرا حول الحدود التي تستنطق في فسحة الصمت العظيم والتي ينطلق منها النص كفضاء عام للشاعرة في تحديد العين التي تتأمل ومفاد هذه الصدمة أن كل ما قالته سابقا وما احتملته سابقا من طرق إلى الخلود ماهو إلا دورة صغيرة وحلقة من الحلقات الكبرى في عمر الكائن الاعظم والأكبر من الانساني بل وربما لا يأبه لوجود هذا الكائن الصغير الذي يعد نفسه عبر طينة بللها ماء الحياة الذي هو ماء لا يخص هذا الكائن البشري الأسيرفي قفص محاولة الخلود، بل يخص هذا الماء الكون الذي هوأيضا حيوان أعظم وأكبر وأطول حياة, أرسخ في القدرة على الوقوف في وجه النسيان الأبدي وربما هو كائن له قناعان قناع التذكر الأبدي وقناع النسيان الأبدي.
رغم أن هذا النص قصير لكنه مشحون كثيرا بقراءات عدة ربما لامست منها كوة صغيرة. من بينها أن النص يقرأ العالم من حيث أنه هرمونيا من الفزياء الكلية التي تغلف الحقيقة التي لا تستطع حدود البشري اختراقها والنص مفتوح على الكثير من القراءات وقد قلت من البداية أنه حسبي أن أوضح أن الفجر هو وقتالدخول إلى مملكة الزجاج والصمت هو الوحش الوحيد الذي علينا أن نكونه ونتظره ليتكلم عنا في ألخير
نص
رقية الموت
. الموت بدء لجناحِ الريح,
للروحِ التى تلتمس الضياء,
فاتح الكون للعدم
أقول :الغياب
لارى فسحة الصمت, دخول الظلام,
رموز الصراخ,
لكأن الحزن انتظارا.
أطلق رغبتى فى إمتلاك الخلود
أمنح كفى لجرأة العبث
أشحذ الحياة.
وثمة طين
يسقط فى نُطفةِ ماء
يدخل
يدخل,
يدخل
يفتح صلصال الكون
قراءة في قصيدة: لن تموتي يا جميلة للشاعر الجزائري صالح خرفي، بقلم حسين عتروس
1- جدلية الموت وجميلة:
هنا القصيدة و كأنها من وجع الآه…جاءت كالميلاد في ثانيةٍ و كالوحي في دفعةٍ واحدة من أولها إلى آخرها. قد جاءت في تماسكها كالجسد الواحد..حتى القافية جاءت متواترة على نسق واحد، مقيدةٌ إلى اسم جميلة، فذلك المد من الياء غالبا أو الواو المربوطين باللام وهاء جميلة في آخر كل بيت من القصيدة، وكأنها ترفض أن تخرج من عالم جميلة اللفظي و المعنوي… خاصة ونحن نعلم أن القصيدة جاءت من الشعر الحر الذي غالبا ما يتجاوز نظام القافية الواحدة.
القصيدة هنا نوع من قدر الميلاد و هذا النوع يولد في تناسق رهيب و ترابط لا فرجة بين أجزائه، وهذا ما يمنع الخيال الرحب أن يسبح في ملكوتها، فهي تولد دفعة واحدة مكتملة الأجزاء مغلق الجوانب، تكبت أسرارها داخل ملكوتها، وحركتها غالبا ما تكون داخلية، لا تفتح أبوابها إلاّ للذي يدق المرة و الثلاث ، حتى إذا أذنت و كان الولوج لعالمها كانت رؤية سر الملكوت "سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم…" إن ميلاد القصائد من هذا النوع يفقد منطق الأشياء أمامها قوته و جبروته.
هنا المنطق منطق آخر من سحر السر و سر المستور.. تتحرك القصيدة في نسق اللغة و عبر نسيجها مع جدلية الموت و جميلة
لن تموتي يا جميله
الموت المسبوق بالنفي المطلق الذي يولد من رماد الرفض. و جميلة الإسم الذي خرج من الوصف إلى العلمية، مسبوق بياء النداء المحملة بكل لوعات العشق و الشوق، و الحميمية الغارقة في ألوان من العشق الصوفي… و من هنا تبدأ جدلية الموت و الجمال… جدلية الرفض و العشق… جدلية الموت و جميلة…
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة
هنا جمال يولد من قوة الإصطدام و التناقض بين الردى الذي هو أعنف أشكال الموت، و الأنسام العليلة التي تنعش في الصباح و المساء، منطق الإستيقاظ و الصحو و لحظات العشق و الشهود… هنا نصطدم و في أول بدايات النص مع الأمل المعلن في موت جميلة… فالموت هنا استراحة من وهج القسوة… جميلة تتعذب و تُعذب بكل أشكال و فنون التعذيب الذي جاءت به مدنية القرن العشرين . هنا نقع في صميم التناقض فبعد
" لن تموتي يا جميلة"
" قالها الناس…" هذا المقطع المعلن من عز الرفض و جبروت الثورة، نجد أن هناك إعلانا آخر ينا قضه؛ و هو الصوت الناطق في صميم الفؤاد و عالم الإحساس
"…ولم أقلها يا جميلة
أملي أن تستريحي يا جميلة
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة"
هنا كأن الصوت المخبوء يصيح راجيا جميلة أن تموت… لأن كل سياط العدوّ و كل صنوف عذابه التي سلطها على ذلك الجسم الرّقيق قد كانت تقع ألما يتوجع أنينا… لكن التناقض يندفع إلى أبعد حدوده حين يجيء في الأخير؛
"غير أنّ الموت له أحيانا كفٌ بخيله"
فالصوت الأول هو صوت جموع الناس و ليس بالضرورة صوت دواخلهم، أو على الأقل ليس صوت كل الناس، وقد لا يكون حتى صوت جميلة حين ينفجر النص في هذا المقطع…
"أنا أدرى الناس كم تهوين موتا يا جميلة" _منطق الثورة يرفض موتها وهو أول إعلان في النص، لكن منطق الإنسان يطلب لها الموت لتستريح من وهج القسوة، و تدخل سكناها الأخرى فرحة مع الشهداء فالنص هنا يتفهم الجدلية التي تسكن الإنسان ذلك الأخذ و الرد بين الرضى بالموت لتكون الإستراحة من العذاب… أو الإستماتة كي لا تكون خسارة للنضال و الثورة، فالثوار يأبون دائما أن يغادروا عالم ثورتهم و يعدون ذلك نوع من الخيانة … يتفجر النص هنا في تعابير من الرقة و القوة العجيبة التي لا يمكن أن تكون إلاّ لغة للروح حين تتحرك بداخلها جدليات طبيعية
" احقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميلة
و دما حرا مزج الغدر سيوله
صوّحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيله
إن في تصويتك المأمول إيراق الخميله"
فبين جميلة والفتيلة، و الخميلة يكون للموت معنى آخر غير الهلاك الذي يكون عادة بلا إشعاع … فالموت هنا نوع من ميلاد آخر، ميلاد حياة تملأ الدنيا بالأنوار.
"إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميلة"
وكأن النص هنا يرتفع بجميلة إلى مقامات الأولياء ليقع التوسل بها، بعذابها، بموتها ليكف العذاب عن الآخرين. تموت هي لتولد للناس حياة أخرى أفضل.
هنا النص تتبرج منه صورة أخرى هي صورة المسيح الذي ذهب فداء لسعادة البشرية.. يتكشف داخل هذا التوالي للصور و تداخلها حد التناقض، توسّل و رجاء قوي بأن ترضى جميلة بالموت…
" صوّحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيله"
و كأنه يترجاها لتموت، و يغريها به و يسلي عنها بأنه ليس من الخيانة في شيء، بل ستنير الشموع الطريق… وسيبقى الدرب محفوظا و محفوفا بشعب وفيّ يواصل الثورة أكثر إيمان و بصيرة…
و يترقى النص بالإحساس بالشفقة على جميلة، ليقتطع سبعة أبيات تتوالى في تحبيب الموت إلى جميلة المناضلة الثائرة بنفس منطق الثوار الحالمين بسقوط كل أصنام الإستعمار، و الحق في حياة عزيزة… فهو لا يرضى أن تبقى جميلة تحت سياط العدو ليمارس عليها صنوف قذاراته و مهاناته المدنية فالموت أحلى و الموت أولى لهذه الجميلة..
"أي موت لم يذيقوك أساه، أي حيله
ما هو الموت و قد جرعته دنيا طويله
أ هو الغفوة في نومة عز مستطيله
أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله
أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيله
أهو النشوة تسري في شرايين الفضيله
إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميله"
الموت قدر هذه الدنيا منذ القدم، و هو جزء من الحياة و هو هنا خلود في مقام العز و الشرف، و صحوٌ على عالم من السحر طفولي… الموت هنا ثورة أنبياء تهوي بهذه الأصنام من الاستعمار… إذا كان هذا هو الموت فاطلبيه يا جميله…
إذا كان الموت بكل هذه الأوصاف التي تحببه للنفس، و بكل الأوصاف التي سبقت تجعل منه مطلوبا محبوبا، فإننا في الأخير يتوقف النص بنا توقفا مقرفا.
"غير أن الموت له أحيانا كف بخيله"
يتفجر الموت هنا على وصف آخر هو ’البخل’ وقد قال خالد ابن الوليد:" و الله ما بجسدي جزء إلاّ و به ضربة من سيف أو سهم، وها أنا أموت موت الأباعر". فالنص وقع في هذه الجدلية أو بالأحرى الجدليات لأنه الصوت المستور للضمير المجروح… فالثابت الوحيد داخل النص هو ذلك الإحساس الرهيب بأن جميلة بين يدي العدو تتعذب، والنص يرفض الإعلان عنه لأنه يرفض الإقرار به…ولا يتصور أن تبقى جميلة فيه…
2- قراءة في الوزن والقافيه
تسير القصيدة في نظام تفعيلة "فاعلاتن" من بحر الرمل، تتكرر في كل بيت أربع مرات ما عدا ما حدث في البيت الأول، حيث يبدأ بتفعيلتين تعلن عن جدلية النص و ثنائية المد والجزر بين الموت وجميلة. و تجيء تفعيلة ’فاعلاتن’ على أربع صور:
فاعلاتن: تامة
فعلاتن: مخبونة(الخبن)
فاعلات: مكفوفة(الكف)
فعلات: مشكولة (الشكل)
و الأبيات في تناغم رهيب ما عدا ما حدث في البيت الرابع عشر، والبيت السابع عشر.
أ- البيت الرابع عشر:
"أحقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميله"
ووزن هذا البيت تقديرا: فاعلن(فعو)لن فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن وهو وزن لم نعثر عليه في بحور الشعر العربي، لكن هناك اقتراح لا يفسد معنى البيت و يخرجه من ارتباكه ؛ وهو اعتبار’ فعو ’ التي هي ’بها’ زائدة مطبعيا فتصير أول تفعيلة (فاعلاتن)، ولا أعرف كيف التحقق من ذلك.
فيصر البيت كالتالي"أحقني دمع يتامى شردوهم يا جميله" وبهذا يستقيم الوزن(فاعلاتن فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن)، و يخرج البيت من ارتباكه. وعلى افتراض أن (بها) غير زائدة وهي من أصل النص فإننا نقول : أن المقطع ولد مع النص هكذا ليقع في منطق الميلاد، فإن( بها) عائدة على آخر مذكورٍ قبلها و هو "الأنسام العليلة" التي تهب بعد هلاك جميلة، لتحقن بها دمعة اليتيم إلى الأبد، فهي أنسام لا تمسح ولكن تحقن، والحقن فعل نهائي يمنع الصورة من التكرار، فهي بهذا بين دمعة اليتيم و الأنسام العليلة داخل هذا الجو الروحي الذي يدخل بالنص غيبوبةً غير متحكمٍ فيها …
فليس يهم الوزن بل قد تم التخطي لمنطق الأشياء و الدخولُ في عالم الأسرار، منطقها ذوقيٌ أكثرمنه عقلي.
ب- البيت السابع عشر
"أتعيشين لمجدٍ أنت جررت ذيوله"
و للبيت قراءتان:
الأولى: بتخفيف "راءِ" (جررت ) الأولى. وبها تم الطبع في الكتاب* . وقراءة الوزن إذن (فعلاتن فعلاتن تن فعلا فعلاتن). ولم ن نرى وجها آ خر إلاّ هذا… وهنا كأن الغيبوبة التي وقعت منذ لحظة الميلاد جعلت النص يدخل في منطقه الخاص ضمن جدلياته التي أعلن عنها منذ البداية. هنا كأن النص وحدة واحدة معنى و وزنا…
فالبيت يطرح التناقض من وصول المجد دون جميلة وهي التي جررته… فعند كلمة (جررت) يتفجر هذا البيت على رؤية التناقض: وصول المجد دون التي جررته، وكذلك في الوزن (أنت جررْ…) (تن فعلا) فهي إذن تفعيلة مقلوبة تسكنها صورة مقلوبة، فطبائع الأشياء أنّ التي تجرُ تصل قبل المجرور، وهنا وصول المجرور(المجد) دون التي جرّته. فهنا قوة جدلية من داخل المعنى و حركة التفعيلة تهتز عند نقطة واحدة معنى ووزنا. الثانية : بتثقيل "راء" (جررت) الأولى، وهو اقتراحنا في قراءة الكلمة على معنى المبالغة والتكثير، وعليه يستقيم وزن البيت على بحر الرمل( فعلاتن فعلاتن فاعلاتن فعلاتن) وكل هذا يدلنا على أهمية هذا النوع من التحليل في القراءة السليمة و الصحيحة للقصيدة الموزونة، إذ أنّ المعنى بين (جَرَرْتِ ) و (جَرَّرْتِ) فارقٌ في بنية الصورة الشعرية.
3 – قراءة في نظام الجمل "الإسمية و الفعلية"
تتكون القصيدة من واحد وعشرين بيتا، على اعتبار أن البيت في القصيدة الحرة يقدر بكل سطر، و هنا نجد أن القافية حددت هذا الإعتبار حيث جاءت القافية في كل سطر من وحي جميلة.
واحد وعشرون بيتا وهي في نفس الوقت واحد و عشرون جملة، أغلب الجمل فعلية أو وردت ضمنها أفعال، إذ نجد أن القصيدة لا تتضمن في مجملها إلاّ أربع جمل إسمية بحتة، و هنا تتجلى الحركة القوية التي تتحرك في النص ضمن سبع عشرة بيتا… صراع داخلي في عمق الضمير المجروح، و داخل المنظومة المفهوماتية حول الموت والحياة… الأبيات الإسمية البحتة هي وحدها التي جاءت لتعبر عن حقائق النص المطلقة التي تَفَجَّرَ بين نقاطها توتر عنيف و جدليات رهيبة… الأبيات الأربع الإسمية نجدها تتحرك مثل متتالية عددية، فهذه الجمل تدخل في وجود النص بعد كل أربع أبيات منها تكون هي رابعها، إلاّ ما وقع في البيت الثاني عشر، وهو إسمي بحث حيث أعقبه بيت إسمي آخر " أهو الغفوة في نومة عز مستطيله / أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله". ولكن بعدها لا تتفجر الجملة الإسمية إلاّ في البيت الواحد والعشرين، وهو آخر بيت فيها، وقد أعلن عن وجوده بعد أن مرّت ثمان أبيات فعلية… كما أنّا نلاحظ أن البيت الثالث عشر تعاقب بعد الثاني عشر خلافا لنظام التوالي الذي أعلناه، لأنه مع البيت الثالث عشر يعبر عن حقيقة واحدة. وبهذا تم امتداد الجمل الفعلية بعدها على امتداد ثمان أبيات… كما أنّا نلاحظ أنّ البيت الخير، كأنه اختزل هزّتين… يتفجر النص خلالها انفجارا عنيفا و مؤسفا في الوقت نفسه" غير أن الموت له أحيانا كف بخيله".
إن لأبيات الإسمية –عندنا بالمفهوم السابق- تتفجر وتعلن عن وجودها بعد كل صراع تعيشه القصيدة عبر جملها الفعلية… فبعد "لن تموتي" و " أملي أن تستريحي"، و "قالها الناس " و " لم اقلها" جاءت الجملة الرابعة تتفجر من ينبوع المطلق " فالردى في وهج القسوة أنسام عليله"، ثم هي نفس هذه الأنسام التي تمنح النص امتداده معنويا وحيزيا داخل الأبيات الثلاث الآتيات… و بعد هذه الثلاث يتفتح النص على جملة إسمية أخرى " إن في تصويتك المأمول إيراق الخميله" و لتعبر عن حقائقه المطلقة، ثم إن "إيراق الخميله" يمنح النص امتداده في البيت الذي يليه نورا وحياة…
ولكن بعد هذا البيت يدخل النص عبر جمله الفعلية في صراعاته الداخلية و المفهوماتية، أسئلة عن نوع الموت الذي لم تذقه جميلة، أو عن ماهيته و هو الذي جرعته دنيا طويله… يتفجر النص بعد هذه الجمل في جملتين إسميتين ليعلن عن حقيقة الرؤيا داخل النص لهذا الموت… " أهو الغفوة في نومة عز مستطيله/ أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله". وهي نفس هذه الرؤيا التي ولدت من عمق المطلق، والتي تمنح امتدادا آخر عبر ثلاث أبيات أخر"أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيله/ أهو النشوة تسري في شرايين الفضيله/ إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميله".
ثم يدخل النص في صراعاته الداخلية عبر أسئلته المؤرقة و تناقضاته الجارحة يكون النصر ؟ هل تعيشين ليومه؟ ثم ما معناه بدونكِ… ثم يعود إلى قضية الموت في أعين الأبطال، فجميلة تهوى الموت، وكم طلبته، و لكنه موت غير موت الغدر، وكم هو صعب عليهم الموت أسرى بسجون عدوهم… وكم هو أحلى في ميدان الوغى… و يتفجر النص في آخر بيت منه ليعْبُرَ كل صراعاته و يقبع في زاوية هذا البيت، يمنح القصيدة توقفا يحدث رجّة و هزّة عنيفة تبقى تدور بنا في عوالمها حيارى"غير أن الموت له أحيانا كف بخيله".
تحركت الجدلية عبر الأفعال لتعبّر عن صراعاته و تناقضاته لتولد حقائقٌ مطلقة داخل جمله الإسمية… ولكن حتى هذه الجمل لم تخرج عن جدلية الصراع والتناقض الذي تحرك بداخله كل النص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * قصيدة الشاعر كما وردت في كتاب: الثورة في الأدب الجزائري الحديث، صفحة 185-186، صلاح مؤيد العقبي، الطبعة الثانية بدون تاريخ النشر
جميلة [1] تصلي
للشاعر صالح خرفي [2]
لن تموتي ياجميلة
قالها الناس و لم أقلها يا جميلة
أملي أن تستريحي يا جميلة
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة
احقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميلة
و دما حرا بريئا مزج الغدر سيوله
صوحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيلة
إن في تصويتك المأمول إيراق الخميلة
إن في نورك إشعاعا يرى الشعب سبيله
أي موت لم يذيقوك أساه ، أي حيلة
ما هو الموت و قد جرعته دنيا طويله
أهو الغفوة في نومة عز مستطيلة
أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفولة
أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيلة
أهو النشوة تسري في شرايين الفضيلة
إن يكن موتك هذا ، فاطلبيه يا جميلة
أتعيشين لمجد أنتِ جررت ذيوله
أ تعيشين لنصر أنت ذكراه الجميلة
أنا أدرى الناس كم تهوين موتا يا جميلة
كم طلبت الموت، كم منيته غدرا فحيلة
غير أن الموت له أحيانا كف بخيلة
حواشي
[1] جميلة بوحيرد و هي مجاهدة جزائرية كان قد حكم عليها المستعمر الفرنسي إبان الثورة التحريرية بالإعدام وقد أحدث ذلك انتفاضة كبرى داخل الشارع العربي وقد خلدها حينها كثير من الشعراء ومنهم نازك الملائكة و قد نعود إلى بعض تلك القصائد بالقراءة و التحليل وفاء للوطن العزيز الجزائر
[2] صالح خرفي : شاعر جزائري من مواليد 1932 بمدينة الشرارة من دواوينه "أطلس المعجزات" و "أنت ليلاي" . نفس المصدر السابق صفحة
نقلا عن موقع ديوان العرب
1- جدلية الموت وجميلة:
هنا القصيدة و كأنها من وجع الآه…جاءت كالميلاد في ثانيةٍ و كالوحي في دفعةٍ واحدة من أولها إلى آخرها. قد جاءت في تماسكها كالجسد الواحد..حتى القافية جاءت متواترة على نسق واحد، مقيدةٌ إلى اسم جميلة، فذلك المد من الياء غالبا أو الواو المربوطين باللام وهاء جميلة في آخر كل بيت من القصيدة، وكأنها ترفض أن تخرج من عالم جميلة اللفظي و المعنوي… خاصة ونحن نعلم أن القصيدة جاءت من الشعر الحر الذي غالبا ما يتجاوز نظام القافية الواحدة.
القصيدة هنا نوع من قدر الميلاد و هذا النوع يولد في تناسق رهيب و ترابط لا فرجة بين أجزائه، وهذا ما يمنع الخيال الرحب أن يسبح في ملكوتها، فهي تولد دفعة واحدة مكتملة الأجزاء مغلق الجوانب، تكبت أسرارها داخل ملكوتها، وحركتها غالبا ما تكون داخلية، لا تفتح أبوابها إلاّ للذي يدق المرة و الثلاث ، حتى إذا أذنت و كان الولوج لعالمها كانت رؤية سر الملكوت "سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم…" إن ميلاد القصائد من هذا النوع يفقد منطق الأشياء أمامها قوته و جبروته.
هنا المنطق منطق آخر من سحر السر و سر المستور.. تتحرك القصيدة في نسق اللغة و عبر نسيجها مع جدلية الموت و جميلة
لن تموتي يا جميله
الموت المسبوق بالنفي المطلق الذي يولد من رماد الرفض. و جميلة الإسم الذي خرج من الوصف إلى العلمية، مسبوق بياء النداء المحملة بكل لوعات العشق و الشوق، و الحميمية الغارقة في ألوان من العشق الصوفي… و من هنا تبدأ جدلية الموت و الجمال… جدلية الرفض و العشق… جدلية الموت و جميلة…
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة
هنا جمال يولد من قوة الإصطدام و التناقض بين الردى الذي هو أعنف أشكال الموت، و الأنسام العليلة التي تنعش في الصباح و المساء، منطق الإستيقاظ و الصحو و لحظات العشق و الشهود… هنا نصطدم و في أول بدايات النص مع الأمل المعلن في موت جميلة… فالموت هنا استراحة من وهج القسوة… جميلة تتعذب و تُعذب بكل أشكال و فنون التعذيب الذي جاءت به مدنية القرن العشرين . هنا نقع في صميم التناقض فبعد
" لن تموتي يا جميلة"
" قالها الناس…" هذا المقطع المعلن من عز الرفض و جبروت الثورة، نجد أن هناك إعلانا آخر ينا قضه؛ و هو الصوت الناطق في صميم الفؤاد و عالم الإحساس
"…ولم أقلها يا جميلة
أملي أن تستريحي يا جميلة
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة"
هنا كأن الصوت المخبوء يصيح راجيا جميلة أن تموت… لأن كل سياط العدوّ و كل صنوف عذابه التي سلطها على ذلك الجسم الرّقيق قد كانت تقع ألما يتوجع أنينا… لكن التناقض يندفع إلى أبعد حدوده حين يجيء في الأخير؛
"غير أنّ الموت له أحيانا كفٌ بخيله"
فالصوت الأول هو صوت جموع الناس و ليس بالضرورة صوت دواخلهم، أو على الأقل ليس صوت كل الناس، وقد لا يكون حتى صوت جميلة حين ينفجر النص في هذا المقطع…
"أنا أدرى الناس كم تهوين موتا يا جميلة" _منطق الثورة يرفض موتها وهو أول إعلان في النص، لكن منطق الإنسان يطلب لها الموت لتستريح من وهج القسوة، و تدخل سكناها الأخرى فرحة مع الشهداء فالنص هنا يتفهم الجدلية التي تسكن الإنسان ذلك الأخذ و الرد بين الرضى بالموت لتكون الإستراحة من العذاب… أو الإستماتة كي لا تكون خسارة للنضال و الثورة، فالثوار يأبون دائما أن يغادروا عالم ثورتهم و يعدون ذلك نوع من الخيانة … يتفجر النص هنا في تعابير من الرقة و القوة العجيبة التي لا يمكن أن تكون إلاّ لغة للروح حين تتحرك بداخلها جدليات طبيعية
" احقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميلة
و دما حرا مزج الغدر سيوله
صوّحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيله
إن في تصويتك المأمول إيراق الخميله"
فبين جميلة والفتيلة، و الخميلة يكون للموت معنى آخر غير الهلاك الذي يكون عادة بلا إشعاع … فالموت هنا نوع من ميلاد آخر، ميلاد حياة تملأ الدنيا بالأنوار.
"إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميلة"
وكأن النص هنا يرتفع بجميلة إلى مقامات الأولياء ليقع التوسل بها، بعذابها، بموتها ليكف العذاب عن الآخرين. تموت هي لتولد للناس حياة أخرى أفضل.
هنا النص تتبرج منه صورة أخرى هي صورة المسيح الذي ذهب فداء لسعادة البشرية.. يتكشف داخل هذا التوالي للصور و تداخلها حد التناقض، توسّل و رجاء قوي بأن ترضى جميلة بالموت…
" صوّحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيله"
و كأنه يترجاها لتموت، و يغريها به و يسلي عنها بأنه ليس من الخيانة في شيء، بل ستنير الشموع الطريق… وسيبقى الدرب محفوظا و محفوفا بشعب وفيّ يواصل الثورة أكثر إيمان و بصيرة…
و يترقى النص بالإحساس بالشفقة على جميلة، ليقتطع سبعة أبيات تتوالى في تحبيب الموت إلى جميلة المناضلة الثائرة بنفس منطق الثوار الحالمين بسقوط كل أصنام الإستعمار، و الحق في حياة عزيزة… فهو لا يرضى أن تبقى جميلة تحت سياط العدو ليمارس عليها صنوف قذاراته و مهاناته المدنية فالموت أحلى و الموت أولى لهذه الجميلة..
"أي موت لم يذيقوك أساه، أي حيله
ما هو الموت و قد جرعته دنيا طويله
أ هو الغفوة في نومة عز مستطيله
أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله
أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيله
أهو النشوة تسري في شرايين الفضيله
إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميله"
الموت قدر هذه الدنيا منذ القدم، و هو جزء من الحياة و هو هنا خلود في مقام العز و الشرف، و صحوٌ على عالم من السحر طفولي… الموت هنا ثورة أنبياء تهوي بهذه الأصنام من الاستعمار… إذا كان هذا هو الموت فاطلبيه يا جميله…
إذا كان الموت بكل هذه الأوصاف التي تحببه للنفس، و بكل الأوصاف التي سبقت تجعل منه مطلوبا محبوبا، فإننا في الأخير يتوقف النص بنا توقفا مقرفا.
"غير أن الموت له أحيانا كف بخيله"
يتفجر الموت هنا على وصف آخر هو ’البخل’ وقد قال خالد ابن الوليد:" و الله ما بجسدي جزء إلاّ و به ضربة من سيف أو سهم، وها أنا أموت موت الأباعر". فالنص وقع في هذه الجدلية أو بالأحرى الجدليات لأنه الصوت المستور للضمير المجروح… فالثابت الوحيد داخل النص هو ذلك الإحساس الرهيب بأن جميلة بين يدي العدو تتعذب، والنص يرفض الإعلان عنه لأنه يرفض الإقرار به…ولا يتصور أن تبقى جميلة فيه…
2- قراءة في الوزن والقافيه
تسير القصيدة في نظام تفعيلة "فاعلاتن" من بحر الرمل، تتكرر في كل بيت أربع مرات ما عدا ما حدث في البيت الأول، حيث يبدأ بتفعيلتين تعلن عن جدلية النص و ثنائية المد والجزر بين الموت وجميلة. و تجيء تفعيلة ’فاعلاتن’ على أربع صور:
فاعلاتن: تامة
فعلاتن: مخبونة(الخبن)
فاعلات: مكفوفة(الكف)
فعلات: مشكولة (الشكل)
و الأبيات في تناغم رهيب ما عدا ما حدث في البيت الرابع عشر، والبيت السابع عشر.
أ- البيت الرابع عشر:
"أحقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميله"
ووزن هذا البيت تقديرا: فاعلن(فعو)لن فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن وهو وزن لم نعثر عليه في بحور الشعر العربي، لكن هناك اقتراح لا يفسد معنى البيت و يخرجه من ارتباكه ؛ وهو اعتبار’ فعو ’ التي هي ’بها’ زائدة مطبعيا فتصير أول تفعيلة (فاعلاتن)، ولا أعرف كيف التحقق من ذلك.
فيصر البيت كالتالي"أحقني دمع يتامى شردوهم يا جميله" وبهذا يستقيم الوزن(فاعلاتن فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن)، و يخرج البيت من ارتباكه. وعلى افتراض أن (بها) غير زائدة وهي من أصل النص فإننا نقول : أن المقطع ولد مع النص هكذا ليقع في منطق الميلاد، فإن( بها) عائدة على آخر مذكورٍ قبلها و هو "الأنسام العليلة" التي تهب بعد هلاك جميلة، لتحقن بها دمعة اليتيم إلى الأبد، فهي أنسام لا تمسح ولكن تحقن، والحقن فعل نهائي يمنع الصورة من التكرار، فهي بهذا بين دمعة اليتيم و الأنسام العليلة داخل هذا الجو الروحي الذي يدخل بالنص غيبوبةً غير متحكمٍ فيها …
فليس يهم الوزن بل قد تم التخطي لمنطق الأشياء و الدخولُ في عالم الأسرار، منطقها ذوقيٌ أكثرمنه عقلي.
ب- البيت السابع عشر
"أتعيشين لمجدٍ أنت جررت ذيوله"
و للبيت قراءتان:
الأولى: بتخفيف "راءِ" (جررت ) الأولى. وبها تم الطبع في الكتاب* . وقراءة الوزن إذن (فعلاتن فعلاتن تن فعلا فعلاتن). ولم ن نرى وجها آ خر إلاّ هذا… وهنا كأن الغيبوبة التي وقعت منذ لحظة الميلاد جعلت النص يدخل في منطقه الخاص ضمن جدلياته التي أعلن عنها منذ البداية. هنا كأن النص وحدة واحدة معنى و وزنا…
فالبيت يطرح التناقض من وصول المجد دون جميلة وهي التي جررته… فعند كلمة (جررت) يتفجر هذا البيت على رؤية التناقض: وصول المجد دون التي جررته، وكذلك في الوزن (أنت جررْ…) (تن فعلا) فهي إذن تفعيلة مقلوبة تسكنها صورة مقلوبة، فطبائع الأشياء أنّ التي تجرُ تصل قبل المجرور، وهنا وصول المجرور(المجد) دون التي جرّته. فهنا قوة جدلية من داخل المعنى و حركة التفعيلة تهتز عند نقطة واحدة معنى ووزنا. الثانية : بتثقيل "راء" (جررت) الأولى، وهو اقتراحنا في قراءة الكلمة على معنى المبالغة والتكثير، وعليه يستقيم وزن البيت على بحر الرمل( فعلاتن فعلاتن فاعلاتن فعلاتن) وكل هذا يدلنا على أهمية هذا النوع من التحليل في القراءة السليمة و الصحيحة للقصيدة الموزونة، إذ أنّ المعنى بين (جَرَرْتِ ) و (جَرَّرْتِ) فارقٌ في بنية الصورة الشعرية.
3 – قراءة في نظام الجمل "الإسمية و الفعلية"
تتكون القصيدة من واحد وعشرين بيتا، على اعتبار أن البيت في القصيدة الحرة يقدر بكل سطر، و هنا نجد أن القافية حددت هذا الإعتبار حيث جاءت القافية في كل سطر من وحي جميلة.
واحد وعشرون بيتا وهي في نفس الوقت واحد و عشرون جملة، أغلب الجمل فعلية أو وردت ضمنها أفعال، إذ نجد أن القصيدة لا تتضمن في مجملها إلاّ أربع جمل إسمية بحتة، و هنا تتجلى الحركة القوية التي تتحرك في النص ضمن سبع عشرة بيتا… صراع داخلي في عمق الضمير المجروح، و داخل المنظومة المفهوماتية حول الموت والحياة… الأبيات الإسمية البحتة هي وحدها التي جاءت لتعبر عن حقائق النص المطلقة التي تَفَجَّرَ بين نقاطها توتر عنيف و جدليات رهيبة… الأبيات الأربع الإسمية نجدها تتحرك مثل متتالية عددية، فهذه الجمل تدخل في وجود النص بعد كل أربع أبيات منها تكون هي رابعها، إلاّ ما وقع في البيت الثاني عشر، وهو إسمي بحث حيث أعقبه بيت إسمي آخر " أهو الغفوة في نومة عز مستطيله / أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله". ولكن بعدها لا تتفجر الجملة الإسمية إلاّ في البيت الواحد والعشرين، وهو آخر بيت فيها، وقد أعلن عن وجوده بعد أن مرّت ثمان أبيات فعلية… كما أنّا نلاحظ أن البيت الثالث عشر تعاقب بعد الثاني عشر خلافا لنظام التوالي الذي أعلناه، لأنه مع البيت الثالث عشر يعبر عن حقيقة واحدة. وبهذا تم امتداد الجمل الفعلية بعدها على امتداد ثمان أبيات… كما أنّا نلاحظ أنّ البيت الخير، كأنه اختزل هزّتين… يتفجر النص خلالها انفجارا عنيفا و مؤسفا في الوقت نفسه" غير أن الموت له أحيانا كف بخيله".
إن لأبيات الإسمية –عندنا بالمفهوم السابق- تتفجر وتعلن عن وجودها بعد كل صراع تعيشه القصيدة عبر جملها الفعلية… فبعد "لن تموتي" و " أملي أن تستريحي"، و "قالها الناس " و " لم اقلها" جاءت الجملة الرابعة تتفجر من ينبوع المطلق " فالردى في وهج القسوة أنسام عليله"، ثم هي نفس هذه الأنسام التي تمنح النص امتداده معنويا وحيزيا داخل الأبيات الثلاث الآتيات… و بعد هذه الثلاث يتفتح النص على جملة إسمية أخرى " إن في تصويتك المأمول إيراق الخميله" و لتعبر عن حقائقه المطلقة، ثم إن "إيراق الخميله" يمنح النص امتداده في البيت الذي يليه نورا وحياة…
ولكن بعد هذا البيت يدخل النص عبر جمله الفعلية في صراعاته الداخلية و المفهوماتية، أسئلة عن نوع الموت الذي لم تذقه جميلة، أو عن ماهيته و هو الذي جرعته دنيا طويله… يتفجر النص بعد هذه الجمل في جملتين إسميتين ليعلن عن حقيقة الرؤيا داخل النص لهذا الموت… " أهو الغفوة في نومة عز مستطيله/ أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله". وهي نفس هذه الرؤيا التي ولدت من عمق المطلق، والتي تمنح امتدادا آخر عبر ثلاث أبيات أخر"أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيله/ أهو النشوة تسري في شرايين الفضيله/ إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميله".
ثم يدخل النص في صراعاته الداخلية عبر أسئلته المؤرقة و تناقضاته الجارحة يكون النصر ؟ هل تعيشين ليومه؟ ثم ما معناه بدونكِ… ثم يعود إلى قضية الموت في أعين الأبطال، فجميلة تهوى الموت، وكم طلبته، و لكنه موت غير موت الغدر، وكم هو صعب عليهم الموت أسرى بسجون عدوهم… وكم هو أحلى في ميدان الوغى… و يتفجر النص في آخر بيت منه ليعْبُرَ كل صراعاته و يقبع في زاوية هذا البيت، يمنح القصيدة توقفا يحدث رجّة و هزّة عنيفة تبقى تدور بنا في عوالمها حيارى"غير أن الموت له أحيانا كف بخيله".
تحركت الجدلية عبر الأفعال لتعبّر عن صراعاته و تناقضاته لتولد حقائقٌ مطلقة داخل جمله الإسمية… ولكن حتى هذه الجمل لم تخرج عن جدلية الصراع والتناقض الذي تحرك بداخله كل النص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * قصيدة الشاعر كما وردت في كتاب: الثورة في الأدب الجزائري الحديث، صفحة 185-186، صلاح مؤيد العقبي، الطبعة الثانية بدون تاريخ النشر
جميلة [1] تصلي
للشاعر صالح خرفي [2]
لن تموتي ياجميلة
قالها الناس و لم أقلها يا جميلة
أملي أن تستريحي يا جميلة
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة
احقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميلة
و دما حرا بريئا مزج الغدر سيوله
صوحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيلة
إن في تصويتك المأمول إيراق الخميلة
إن في نورك إشعاعا يرى الشعب سبيله
أي موت لم يذيقوك أساه ، أي حيلة
ما هو الموت و قد جرعته دنيا طويله
أهو الغفوة في نومة عز مستطيلة
أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفولة
أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيلة
أهو النشوة تسري في شرايين الفضيلة
إن يكن موتك هذا ، فاطلبيه يا جميلة
أتعيشين لمجد أنتِ جررت ذيوله
أ تعيشين لنصر أنت ذكراه الجميلة
أنا أدرى الناس كم تهوين موتا يا جميلة
كم طلبت الموت، كم منيته غدرا فحيلة
غير أن الموت له أحيانا كف بخيلة
حواشي
[1] جميلة بوحيرد و هي مجاهدة جزائرية كان قد حكم عليها المستعمر الفرنسي إبان الثورة التحريرية بالإعدام وقد أحدث ذلك انتفاضة كبرى داخل الشارع العربي وقد خلدها حينها كثير من الشعراء ومنهم نازك الملائكة و قد نعود إلى بعض تلك القصائد بالقراءة و التحليل وفاء للوطن العزيز الجزائر
[2] صالح خرفي : شاعر جزائري من مواليد 1932 بمدينة الشرارة من دواوينه "أطلس المعجزات" و "أنت ليلاي" . نفس المصدر السابق صفحة
نقلا عن موقع ديوان العرب

